كان يا ما كان.. أيام زمان ، قبل ان يمتلك القراصنة طوربيدات واسلحة حديثة ورادارات متطورة ، كانوا يقومون ببناء منارات مزيفة تظلل السفن عن المنارات الأصلية وترسلها الى المناطق الصخرية أو الشعب المرجانية العملاقة ، حيث تصطدم بها السفن وتغرق ، فيأتي القراصنة وينهبوها عن بكرة ابيها وأمها وخالاتها دون رحمة أو شفقة.

كما اسلفت ، التكنولوجيا الحديثة التي تستخدمها السفن حاليا ، وحصل عليها القراصنة ايضا بطرق متعددة ومشبوهة تشي بتعاونها مع دول عظمى ، جعلت من خدعة المنارات المزيفة جزءا من الماضي التليد لعالم القراصنة المسكين. لكن لعبة المنارات المزيفة حاليا لم تنته قط ، بل ازدادت شراسة وتأثيرا وتدميرا ، وتزايد عدد ضحاياها ، بل تحولت من مجرد حادث بحري وعملية سلب ونهب الى كارثة وطنية نعاني منها لعقود.

كلما سمعت عن كارثة اقتصادية عربية كبرى عانى منها الاقتصاد العربي ، وخسر الكثير من المواطنين الكبار والصغار (حسب معايير السوق) مدخراتهم واستثماراتهم ، اعتقدت ان ثمة منارة مزيفة ما في مكان ما قد أودت بالوطن والمواطن من اجل مصالح شخصية أنانية انتهازية ملعونة حرسة، طبعا انا لا ابرئ المراكز المالية العربية التي قد تكون متواطئة مع قراصنة المنارت المزيفة والإدارات الهاملة ، انما اقول انهم مجرد مسننات صغيرة في آلة الفساد الكبرى في كامل ارجاء الوطن العربي من المحيط الهادر الى الخليج الثائر ، وإن اختلفت المبالغ حسب الموجود ، فالفساد لا يترفع عن القرش ولا يتورع عن المليارات.

استدرك ، هذه المنارات ليست عربية فحسب ، فقد تكون اوروبية او اسيوية ، استرالية ، افريقية او غيرها ، وهي امريكية ايضا ، ولا شك ان الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي هي من صنع منارات زائفة لا يحتكرها الحزب الديمقراطي او الجمهوري بل هي ملكية عامة لرأس المال المحتكر الذي يدور أزماته ثم يتخلص منها عن طريق توزيع الخسائر على الجميع ، بعد ان يكون قد ربح المليارات.

مشكلتنا في العالم العربي ، اننا نعاني من الآثار السلبية المزدوجة للمنارات الزائفة في كل مكان ، فنحن نعاني من مناراتنا المحلية ، كل دولة عربية على حدة ، ونعاني كلما عانت دولة عربية لان اقتصادنا شبه مترابط ، ولو على سبيل العمالة اوالمشاريع المشتركة. ونعاني ايضا كلما عانت امريكا ، لأن امريكا عودتنا ان تحل مشاكلها على حسابنا (لكأننا خلّفناها ونسيناها) عن طريق الترهيب والإحتواء والتحذير وجميع الوسائل المعروفة والمجهولة.

يعني: هناك عصابات كبرى.. هناك قراصنة جدد كبار يستخدمون تكتيك المنارات المزيفة ، اما الجهات التي نراها ونعتقد انها وراء هذا الحدث او ذاك ، ونصب جام غضبنا عليها ، فما هي الا عصابات اصغر او وكلاء وفروع تعمل بالمقاولة للعصابة الكبرى التي تسرقنا وتقتلنا وتدفعنا الى الانتحار وتدمرنا عن طريق خدعة قديمة لقراصنة البحر الذين تحولوا الى البر فاكلوا الاخضر واليابس.. والحبل على رقابنا جميعا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور