كنت مدخنا لعقود عدة ، وما زلت أذكر ذلك السؤال الدائم الذي كنت أتعرض له يوميا: (شو دخانك ؟).

في الواقع هو ليس سؤالا بل طلبا لسيجارة ، وكنت ستتعرض لسخرية وازدراء من الآخر اذا أجبته ردا على سؤال( "شو دخانك ؟" ) بالقول : ريم أو فيلادلفيا أو أي نوع دخان آخر.

لاحظوا أن "شحاذ السجاير" هذا لا يكلف نفسه عناء مذلة السؤال، بل يسألك بكل "احترام" عن نوع سجائرك لمجرد الاطمئنان على صحتك، وعليك أن تفهم الموضوع وألا تجيب بشكل حرفي وإلا اتهموك بـ "تخنيث الهرج".

هذا سؤال مكشوف ومتفق عليه ، لكننا في الواقع نتعرض يوميا الى عدد هائل من الأسئلة الملتوية المشابهة، التي تسأل شيئا أو تقول شيئا وتطلب شيئا آخر تماما. وهناك اسئلة خطيرة نجيب عليها عادة بتحفظ، فإذا سألك شخص:( شو أخبارك؟) فإنك تشرع في الشكوى والأنين من ضيق ذات اليد واللسان والغدة المعثكلة، خشية أن يكون هذا السؤال الملتوي يقصد منه طلب استدانة النقود.

وحينما يسألك شخص:( كيف علاقتك بفلان؟) تعرف انه لا يتساءل لمجرد الحديث إنما سيطلب منك الذهاب إليه والتوسط للشخص السائل للحصول على عمل أو منفعة ما. فتشرع في "تطعيج" فمك لتبين أن علاقتك به سطحية، أما فلان "اول ضحية تخطر على بالك" فهو وهذا الرجل أكثر من إخوة ، وهو "يمون" عليه تماما، فيشكرك السائل وينتقل الى الرجل الضحية.

وهناك اسئلة نسوية كثيرة تتداولها النساء فيما بينهن، ولست خبيرا بها، لكنها بالتأكيد تصب في ذات الاتجاه... تُسأل للطلب .... وهي اكثر ذكاء من اسئلة الذكور الذين يدّعون الذكاء، وتكون الردود عليها اكثر ذكاء وتنوعا من ردودنا .

لكن هناك اسئلة اعتدنا عليها في تآمر عام متفق عليه ، كأن يسألك شخص تعرفت عليه للتو: (الأخ من وين؟) وهو لا يقصد اطلاقا اين تسكن ، لكنه يسأل وأنت تعرف انه يريد أن يعرف أصولك ودينك (وسنسفيل أبو اللي خلفك)، حتى يظهر تعاطفا مزيفا وتسامجا لا يوجد الا في الأفواه ، أو يبدأ بشتم الأطراف الأخرى وعليك أن تشاركه بذلك أو على الأقل تصمت مؤيدا.

عزيزي القارئ:

- الأخ من وين، بلا زغرة ؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور