بعد اجتماع مطوّل مع جناب حضرتى ، قررت أن اترك ورائى اثاراً تشبه الآثار الرومانية و البيزنطية .

كان عمري آنذاك فوق الخامسة واقل من العاشرة لكني لا اذكره تماماً.

بيتنا يجيء وسط حارة حبلى بالفسيفساء في مدينة مأدبا ، وكانت مريم ام خنانة لا يحلو لها سوى( تقبيع ) الفسيفساء الملونة من اللوحات مباشرة لتلعب ( الزقطة ) مع حالها ، لأن لا احد كان يرضى أن يلعب معها .

وعلى قاعدة ما حدا أحسن من حدا ،وبثقة بالذات مبالغ فيها ( قليلاً ) قررت بسبق اصرر و ترصد أن ارسم لوحة فسيفسائية و ادفنها في التراب لتكتشفها الأجيال القادمة وتشير إلى نسلي بالبنان ( وليس بغيره )

هكذا شرعت في تفتيت ما تيسر لي من ( ديكان ) و بسرقة بعض ( ديكان) مريم تحت شعار الادعاء بأني ألاعبها، ولم يكن يهمها ذلك في الواقع إذ كانت غالباً ما ( تغير) على أول لوحة فسيفسائية و تعوض النقص الحاصل في ديكانها

للعلم كنا نسمي تلك الحجارة المكعبة ( ديكان ) ولا اعرف لماذا طبعاً

وهكذا رسمت لوحتي الخاصة مستخدماً أسلوب الفن التجريدي دون أن اسمع به .. مجرد حجارة ملونة متلاصقة .. ( عفوية الفن ،وعبقرية البساطة ) ثم دفنتها في وسط الحوش الذي كنا نربي فيه الدجاج والأرانب والحيايا .

تلهيت عن لوحتي الفسيفسائية حتى المساء ونمت احلم بالشهرة والمجد والسؤدد . وفي الصباح قمت مبكرا لأتفقد لوحتي . كانت الدجاجات قد خرجت أبكر مني ونبشت الحوش ونثرت ( الروث ) في كل مكان ، لكن ذلك لم يمنعني من نبش التراب بحثاً عن اللوحة .

نبش هنا .. هناك ..على اليمين ..على الشمال فوق تحت ، بالطول ، بالعرض .. بحثت في كل سنتمتر في الحوش لكني لم أجد اللوحة .

هل سرقها الأعداء،هل خشي البيزنطيون على سمعتهم فاختلسوها،هل وجدتها مريم ام خنانة وأعادت تدويرها؟

لم أتوقف عن البحث منذ ذلك الزمن العتيق لكني لم أجد شيئا .

نهاية السبعينات وقد صرت شابا، قررنا أن نهدم البيت القديم ونبني بيتاً جديدا .. جاءت الجرافات ونبشت الحوش ،وكادت الجرافة تقتلني وأنا اتابعها لعلي اعثر على لوحتي .لم اعثر على شيء

لم اعثر على شيء.. ,ولن يعثر عليها غيري

ببساطة نحن ابناء عصرنا وجيلنا ، ومن لا يترك اثرا على زمانه، وينخرط في فعل الحياة، لن يترك اثرا على المستقبل ، ومن اراد الفعل أو المشاركة ، فليفعل الان، فالتاريخ لا ينتظر احدا، وارسال ابداعاتنا الحمقاء على سفينة المستقبل هو مجرد هراء يمكن لِورس الدجاج أن يخفيه الى الأبد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور