كان اول وآخر المتزلفين لجناب حضرتي، لم ادرك ذلك الا بعدما فقدته، لذلك قيادة اوركسترا العويل مع اخوتي، حتى قبل ان يشرع في النزاع الاخير. نمر، نعم، نمر، كان اسم القاتل، الغريب ان الوالد والوالدة استقبلاه بترحاب، ، مع ان هذا النمر المزيف لم يكن سوى موظف بلدية صغير انيطت به مهمة تسميم الكلاب، كلما انتشر مرض السعار في المنطقة.
لا اذكر كيف ادركت اللعبة لحظة دخول الرجل الى حوش البيت، ربما كنت بالسادسة، حتى الجرو أحس بهول ما يحدث فازداد التصاقا بي وهو يرتعد، فاحتضنته ثم شرعت مع اخوتي بالزعيق، اخي نبيل لم يكتف بالمشاركة في الكورال، بل انغمس ايضا في اداء رقصة تعبيرية وانهمك في التمرمغ فوق تراب الحوش ، اما اختي الصغرى التي لم تكن قد اكملت عامها الثاني بعد - حسب تقديري - فقد دوزنت صرخاتها الهستيرية مع رقصة المرمغة التعبيرية التي كان يؤديها نبيل بكل كفاءة واقتدار، أختي الأكبرنبيلة.. كانت اقل كربا منا، لذلك فقد كانت تغش.. اذ تفتح فمها على مصراعيه دون ان تصدر اصواتا تذكر. متوهمة بأننا لن نكتشف خديعتها.
بالكثير من التبجح نهض النمر، واخرج قطعة لحم حمراء مكعبة بشكل لافت.. غمسها بمسحوق ابيض ثم قرّب يده الممدودة من الجرو الذي لعقها بامتنان، لم يدرك الا متأخرا بأنه لعق يد الرجل غير المناسب وفي الوقت غير المناسب، أما أنا فقد نسيت حالة الحداد وهجمت على قطع اللحم وحاولت اختطافها من كف النمر قبل ان يقضمها الجرو؟ لكن النمر استأسد علي وردني بوحشية، فيما اكملت الأم المقرر واوسعتني ضربا وشتما وهي تصرخ مثل طرزان، وتقول وتكرر:
- ......مسمومة يا بغل
| |
لم افهم في البداية ماذا تعني كلمة مسمومة، قطعة لحم حمراء رائعة توهب لجروي الذي توهمت بأنهم يتآمرون عليه، بينما يتعين علي الصمود لشهر او اكثر قبل الحصول على قطعة مشابهة على الغداء.
اقعيت متلمظا وانا احدق بالجرو وهو يلتهم قطعة اللحم بكل أبهة حتى اجهز عليها.. اصابته اولا حالة من المرح الزائد فور ازدراد المكعبات اللحمية، ثم صار يطارد ذيله ويدور حول ذاته مثل اي كلب مدلل، بعد قليل صارت حركاته اكثر عشوائية، ثم شرع يقع ويقوم بشكل مرتبك .
هنا فقط ادركت حجم الكارثة، فقد تم تمويت جروي بواسطة قطع اللحم المكعبة ،عدت الى قيادة اوركسترا الزعيق ... لكننا توقفنا عن العويل حينما بدأ الجرو يتمايل.. صمت لم يقطعه سوى عويل الجرو المسكين.. سقط ثم قام.. سقط ثم قام ثم سقط.. ثم لم يستطع النهوض، فانجعى على جانبه، ثم جاهد ليأخذ وضعا اقعائيا لكنه لم يفلح، ونجح فقط في ان يركي ذقنه على قدميه.. نظر الينا بقنوط، ثم نام.. نام الى الابد.
صمت اكثر حلكة انهال علينا، لم يقطعه سوى رشفة الشاي الاخيرة من براطم النمر، الذي زأر موجها كلامه للجميع:
- ادفنوه كويس.. | |
ثم حيّانا وخرج، لكأنه قائد منتصر انهى للتو تفقد مهاجع جنوده الشجعان.
كانت هذه اول مواجهة لي مع الموت، واذكر اني ارتعبت من الداخل وهزني قلق وجودي لا يليق بعمري، اذ كان علي ان اهرق المزيد من السنوات قبل ان ادرك انني ايضا قادر على الموت، واني سوف اتناول قطعتي المسمومة رغما عني، لكني تعلمت ان لا آخذ اللحم من ايدي الآخرين وان لا اتناوله الا اذا دفعت ثمنه عرقا وجهدا، ايضا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور
login |