ربما أكون ولِدت أو كنت على وشك، عندما طرح الرئيس الاميركي أيزنهاور مشروعه الاستعماري في تعبئة الفراغ الذي حصل في العالم العربي بعد انحسار الاستعمار القديم وتحرر الدول واستقلالها، وقد ثارت ثائرة الجماهير العربية في ارجاء الوطن العربي ضد ايزنهاور وامتلأت الشوارع بالمظاهرات المنددة بمشروع تعبئة الفراغ، حيث اطلق المرحوم عبداللطيف ابو جبارة شعار المرحلة الذي صرخت به الحناجر العربية من المحيط الهادر الى الخليج الثائر ، وهو شعار :

- الفراغ في رأس ايزنهاور

وقد تكاثرت الاشعار والزجليات والأناشيد التي شاركت في مجهود المعركة الكبرى ، منها زجلية محمد الكايد الملقب ب(العرندس)التي تقول:

ايزنهاور يـــــا مهبـــــول

مشروعك ما هو مقــبول

يلعن كسمك عرض وطول

بصرمــــاية خلـيــلــــــــية

ومن المؤكد ان اخوتنا المصريين ابدعوا اكثر منا في المجال الغنائي الهجائي لقدرتهم العبقرية على السخرية ، والسوريين شهقوا اكثر منا جميعا ، والعراقيين سحلوا اكثر منا وبكوا اكثر منا ،والسودانيين عرقوا اكثر منا وناموا اكثر منا ، والخليجيين لا شك شاركوا في معركة المصير بقصائد نبطية اطول من المعلقات السبع، تهجو العلوج وتتغزل بالعرب العاربة والمستعربة والمستغربة ....وربما مات البعض تحت بساطير العسكر اثناء المظاهرات التي عمت ارجاء العالمين العربي والإسلامي . انتهى المشهد.

نقفز الان نصف قرن ونيف عن ذلك الحدث الجلل، خصوصا نحن الذين كنا ولدنا او كنا على وشك . لنشهد ونبصم بالاصابع العشرين ، بأن تلك الفقاعات الصوتية الهائلة الصوت والصورة التي اطلقها الاباء والاجداد انذاك، لم تكن سوى فراغ في فراغ في فراغ.....وان الفراغ الحقيقي كان في رؤوسنا نحن جميعا –والاستثناءات نادرة- وليس في رأس ايزنهاور،و كما اعتقد الاباء والاجداد عن طيبة او سذاجة او غباء، او على طريقة الحيل النفسية كالإسقاط والتبرير.

الفراغ لم يكن في الشرق الاوسط فحسب بل داخل ادمغتنا ذاتها .المشكلة اننا نواجه حاليا مشاكل متشابهة في جميع ارجاء العالم العربي ، لكننا نقابلها بذات الطريقة وبذات الرئة المنتفخة الهادرة مثل ماكنة تطحن قرونا، منذ قرون.

وهذا ما نفعلة كل يوم وكل شهر وكل سنة .. تماما مثل ذلك العربي الثورجي الذي اعتاد على خوض على المظاهرات الصاخبة من ذات النوع الذي ذكرناه بشكل يومي ،الذي يهتف بدنا و بدنا ولا يفعل شيئا


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور