أمس كان يومي الأول مع النظارات ، حيث لم تفلح جميع وسائل الاحتيال على العيون في تجاهل حقيقة حاجتى لعوينات من أجل القراءة ، وهي بالمناسبة اول عوينات ارتديها حتى الآن، مع أني وهن العظم مني، و بلغت من العمر عتيا وكشتي بيضاء، مثل ليّة الخروف، منذ سنوات.

شكا والدي في عامه الثامن والثمانين من ضعف النظر بالقول بأنه لم يعد يرى جبال شيحان من فوق سطح بيتنا، مما اصابنا بالإحباط آنذاك ،لأننا لم نر قط جبال شيحان من هنا، حيث أنها تبعد عنا أكثر من 60 كم على الأقل. لكن حلم والدي تحقق بعد عام تقريبا حينما توفت جارتنا كاترينا، فطلب من ابنائها الحصول على نظارتها العملاقة ، فلم يقصروا ، وكانت بعدسة واحدة، والأخرى مفقودة ، لكن ذلك لم يمنع والدي من التلذذ بإرتداء النظارة، حتى وفاته عن 91 عاما ونيف، بنظارة ذات عدسة واحدة ،مثل تليسكوب المرحوم غاليلو.

انا الان بنظارة كاملة اشتريتها على حسابي ب75 نيرة،مع كامل الإضافات التي لم افهمها، ناهيك عن سنسال يعلقها في رقبتي مثل (العليقة). نعم أنا بحاجة الى نظارة لأني أعاني من بعد النظر ، لكأن بعد النظر هو مرض ينبغي معالجته أو الإحتيال عليه، في هذا الوطن المعطاء للفاسدين والمفسدين.

نعالج بعد النظر، في حين ان العالم يعتبره ميزة لا يحصل عليها الا المثقفون والمصلحون والفلاسفة - حاشانا الله-. ولأننا من اصحاب بعد النظر ، فأننا نسعى الى قراءة الصحف والمجلات من الصفحة الأخيرة، ربما لأننا نستبق النتائج ، وهذا ما استطاعت شهرزاد أن تمنعه عن شهريار الذي كان سيقتلها لو عرف نهاية القصة ، ونحجت في النهاية في الانتصار عليه ، وسجلت أول فوز أنثوي على عنجهية الذكر وغروره المستتب.

لعل من أوائل الشخصيات الساخرة التي ابتكرها يعقوب صنوع في مصر، هي شخصية (أبو نظارة) التي تم تحويلها الى شخصية كريكاتيرية كانت من اوائل هذه الشخصيات المبتكرة منذ نهايات القرن قبل الماضي، اذ يعتقد الناس ان من يستخدم النظارة يرى اكثر من غيره وبدقة أكبر ، ويستطيع أن يعلق على الأحداث بذكاء جارح.

أنا حاليا أطبع مقالتي وأنا ارتدي النظارة ، ولا استطيع الحديث عنها الآن بتوسع وبعد نظر ، لأني في وسط المعركة بين زجاجة النظارة وزجاجة الشاشة.

على كل حال ..باركولي


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور