مهداة الى محمد السنيد وصديقه
ليس من أجل سيجارة، ولا من أجل سفط دخان، لكن السيجارة هذه المرة كانت الشرارة التي أشعلت الربيع الأردني بالورد والأقحوان ...ولو لم تكن الأرض حبلى لما انتفضت، فكشفت عن زنابق الحقل التي ستشعل الثورة على الفاسدين المفسدين .
أتحدث عن الربيع الأردني، وعن جمر البدايات، حيث التقى شابان حميديان – من منطقة جبل بني جميدة ولواء ذيبان- في منتصف الطريق بين بيتيهما القريبين، كان كل واحد منهما متجها الى الآخر ليستدين منه ثمن باكيت سجاير، من النوع الرخيص طبعا .وأدرك الصديقان بأنهما، وكل من يعرفان من الشباب، حولهما من أقارب وأصدقاء، لا يملكون شيئا، بينما تنتشر القصور والفلل في عمان كما ينتشر الفطر السام.
ربما ضحكا في البداية على هذه المفارقة المبكية، لكنهما جلسا على حجر في منتصف الطريق، وقررا أن يشعلا جمرة الاحتجاج على اوضاعهما، ومن تلك الليلة خططا لأول اعتصام على الدوار، وحملا لافتات مكتوبة على الكراتين، بخط اليد، في اليوم التالي انضم اليهما خمسة شباب، وفي اليوم الذي يليه سار الف وخمسماية حميدي يرفعون راية الاحتجاج ضد الظلم والفساد.
في الأسبوع التالي عمت التظاهرات المماثلة ارجاء الأردن من شماله الى جنوبة، بينما الأحزاب التقليدية، من أقصى اليمين الى ادنى اليسار تنام، وكل حزب يحلم بالوسائل التي يستطيع فيها أن يرفع من مبلغ العشرة الاف التي تدفعها الحكومات لهم للمشاركة في تزوير الانتخابات ..أي انتخابات، لغايات اضفاء شرعية وهمية أمام الغرب الذي لا يدرك أن الحكومات ترشي احزاب اليسار الأردني، لتكون جزءا من اللعبة الفاسدة وثمرتها الأفسد، التي تسمى برلمانا .
- ترى لو كان الشابان من غير المدخنين، فهل كانت الأردن ستنجو من وهج الربيع العربي ؟؟
- هل تنفع اكياس الهيشي لقمع ثورة؟؟؟
- أو حملة لمكافحة التدخين؟؟؟
- أو سجائر الملوخية الناشفة التي دخناها صغارا على سبيل التقليد؟
- ولو تم توزيع كوبونات حكومية لتعاطي الأراجيل في المقاهي على حساب الخزينة، هل كان احدهم قد نجح في رفع المديونية الأردنية الى 50 مليونا بكل راحة ضمير؟
لا اعتقد ذلك ..اعتقد ان الربيع العربي كان يبحث عن الشرارة بعدما رأى أن شرارة احزاب اليسار الاردني مطفأة عن سابق اصرار وتصميم، وشرارة «الإخوان المسلمين» مخبأة لانتهاز الفرصة للوصول الى جزء أكبر من الكعكة ( أو ما تبقى منها).
التاريخ لا ينتظر أحدا، بل يلقيه في مزبلة التاريخ، ويبحث عن شرارة؛ ولو من سيجارة غير موجودة أصلا، من اجل أن يملأ الحقل سنابل .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور