مناخنا في الأردن كما هو معروف: (حار جاف صيفا معتدل ماطر شتاء، وفي خليج العقبة يكون الجو حارا والبحر عالي الموج)..هكذا مناخ لا ينجب الساخرين بشكل طبيعي ، لذلك جئنا على طريقة أطفال الأنابيب .....أي ان الطبيعة حملت بنا خارج رحم الإعتدال ، واستطعت بالصدفة المحض الدخول لتكوين مملكة الزيجوت الأولى قبل اكثر من نصف قرن.

السخرية لا تنتعش الا في المناخات الرديئة....ويقتلها الإعتدال في الحب والحقد والمواقف الوسطية.....يقول احد منظري المسيحية : (كن حارا أو باردا، ولا تكن فاترا والا لفظتك من فمي) ..وهكذا هي السخرية حارة وطازجة ولا تحتمل الإعتدالات الربيعية والخريفية والبطاطا المقلية.

ناقشنا حتى الان فكرة المناخ،أما بالنسبة للمناخ الإقتصادي والإجتماعي وارتباط الكاتب الساخر به عضويا ، فاعتقد ان السخرية في احد اكثر جوانبها توهجا هي في (الواقع) تمرد فكري سامي على الواقع ، ولو رضي الساخرون بالواقع كما رضي غيرهم ، لكنا ما نزال محبوسين في الكهوف الأولى التي هرب اليها ذلك القرد القاري المسمى بالإنسان، أو لعدنا الى ابناء عمنا القردة وقدمنا اعتذارنا على هجر الأشجار.

اذا الكاتب الساخر يتمرد على الواقع ، لكنه تمرد المحب الملتزم الذي ينوي التصحيح وليس مجرد ابتكار الفوضى..تصحيح مسار الواقع عن طريق نقد التصرفات اللاواقعية التي تقوم بها الحكومات والطبقات المتنفذة، والشعب ايضا ...اقصد ان الكاتب الساخر لا يستثني احدا من سهامه الكيوبيدية الجارحة .

الكاتب الساخر خليط من ثلاثة من الصعب ان يحصل هذا الخليط في الواقع ، فهو اولا وثانيا القاتل والمقتول ..هو الذي يجرح ....ويجرح نفسه ايضا بصفته ابن الناس وواحد منهم ، وهو ثالثا الطبيب الذي يشخص المرض دون ان يداوية ..فتخيلوا هذه التركيبة المجنونة ..القاتل والمقتول والطبيب ....اتخسا يا دكتور جايكل ومسترهايد ...ها نحن ثلاثة كائنات معا.»


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور