الشركات – مهما كبرت وتعملقت – تبقى مجرد مؤسسات تهدف الى الربح الأكيد، أما موضوع «الكرامة والشعب العنيد»، على رأي الكبير الكبير زياد رحباني (أبن أم زياد: الرائعة فيروز)، فهو موضوع لا يتواجد إلا في قواميس الحمقى والفاشلين المعلنين إفلاسهم سلفا، حسب مفتي الشركات نقلا عن ابيه عن جده عن جاره عن عن عن عن .... وهو- بالمناسبة- كلام صحيح تماما، وينتزع شرعيته من الممارسة العملية واليومية الحية للشركات والمؤسسات المالية الكبرى والوسطى والصغرى، ومن هي في طريق الإنشاء والإنتشاء.
لذلك لم تعتريني الدهشة حينما قرأت بأن شركة «بورش» العالمية أنتجت عددا من النراجيل (الشيشة) المكونة، في أغلبها، من الذهب والفضة،وصارت هذه (الأمورة)،التي كانت تصنع من ثمرة جوز الهند – ومنها اشتقّت اسمها الفضفاض- صارت تلمع كالذهب وتضيء كالفضة.
لا أعرف اذا كان المهندس النمساوي المرحوم فرديناند بورشيه ،مؤسس شركة بورش(عام 1931) قد حلم ، ولو حلم يقظة، بأن شركته ستقوم بإنتاج النراجيل الذهبية، قبل أن تحتفل بمئويتها، وأن خطوط انتاجه سيتم تبديل مسنناتها وتحويل مساراتها، ليخرج منها على خط النهاية، نارجيلة كاملة الأوصاف، برأس فخاري ممتلئ بالمعسل،تعلوه طبقة من القصدير. حيث تتحول- هذه المحروسة، فورا الى غرفة الفحص ، حيث «الخرمنجية» وذوّيقة المعسل ، الذين تم استقدامهم من كافة أصقاع الأرض، يفحصون مدى كفاءة المحروسة.
وتقول الأخبار بأن (10) نراجيل تم بيعها فورا عند عرضها بمبلغ(110) الاف ريال للواحدة(طبعا)، لا بل أن بعض العائلات اشترت أكثر من نارحيلة ، لغايات الضيوف.
حتى شركة بورش (شعرت) مع المستهلكين ، فقررت مع سابق إصرار ولاحق ترصد أن تنتج نراجيل من الفضة – بدون ذهب- سوف يتم بيعها ب(78)الف ريال فقط لا غير ، للفئات الأقل حظا ، التي لا يزيد دخل الأسرة السنوي عن مليون دولار. وتقول روايات، لم أستطع التأكد من مدى صحتها من مصدر محايد،بأن جهات دولية كبرى، أرغمت شركة بورش على التحول الى الفضة، خشية أن يتحول مخزون الذهب العالمي الى مجرد نراجيل موزعة كالدحنون في ارجال العالم العربي، فينهار النظام النقدي العالمي، ونسمع دويّ انهياره، على أنغام بقبقة الماء في نراجيلنا الصفراء.
لكن –ذات الجهات المانعة- لن تمنع شركات أخرى من انتاج كوتا محددة من المنتوجات المذهبة، بعد أن أدرك العقل التجاري العالمي بأن هذه الفكرة مربحة جدا. لذلك لن نتفاجأ اذا رأينا في الأسواق، نارجيلة لامبرجيني، أو ربابة مرسيدس أو شبشب ناسا أو شماغ ميكروسوفت. وربما تصل العقلية التجارية الى انتاج معسل تويوتا بنكهة الصبار، ومعسل فوكس بنكهة المرتديلا، ومعسل ساب بنكهة الوسكي الخالي من الكحول...لكن على كل الأحوال سيبقى رأس النارجيلة الأشم يصنع من الفخار ، لأن المعادن – حتى الكريمة منها- تسخن بسرعة قياسية وتحرق «النفس».
وربما تفكر شركة بورش بإضافة ثقب خاص بالنارجيلة- حسب الطلب- داخل سيارة البورش الجديدة ، حتى نتمتع بالقيادة والنرجلة في ذات الوقت. وعلى الأغلب ستقوم جميع الشركات الكورية بتعميم هذا الإبتكار الجديد ، بدون حقوق ملكية ولا ما يملكون، بينما سوف تتردد الشركات الصينية بعد أن صارت الصين عملاقا اقتصاديا يخضع لمتطلبات المحاكم الدولية، رغما عن شواربه الممتدة على طول القارات .
من المحتمل أن تخوض هذه المحروسة- النارجيلة المذهبة طبعا- سباقات السيارات لكن من فوق كراسي المتفرجين، تحديدا في المقصورات الفارهة المقامة عند خطي البداية والنهاية، أو على ألأقل أمام الشاشات الفضية الفخمة داخل القصور الأفخم، خصوصا بعد أن صار العالم، بالنسبة لنا، مجرد مكان للتفرج ،وتحول الكون بسعته وعمقه وغموضه الى مجرد فيلم يمر أمام عيوننا على الشاشات، بينما ندخن النراجيل ونفصفص التسالي ، بعد ان انتقلنا بشكل فجائعي من أمة تصنع التاريخ الى أمة تأكل وتشرب وتتناسل وتتقاتل وتبيع وتشتري وتتجشأ على هامش التاريخ والجغرافيا والهندسة الفراغية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور