المشكلة أن النظريات السياسية يبتكرها السياسيون، وليس العلماء ، إذ لو كان العلماء هم الذين يخترعون الأيديولوجيات لجربوها على الحيوانات أولا ، وبعد مرورها بنجاح في بضع مراحل ، كان يمكن تطبيقها على البشر بكل راحة ضمير. لهذا تعاني البشرية مع كل تطبيق لنظرية سياسية، ويتحول الثوار بشكل درامتيكي من حملة مشروع وطني الى قتلة وقامعين ..وغالبا ما يكونون أكثر شراسة من الأنظمة التي ثاروا عليها...لأن النظريات تطبّق قبل أن يتم اختبارها.

النظريات جميعها، غير محصنة من سيطرة الطامعين والطامحين، ولا يتوفر حتى الان أمصال ومطاعيم يحقنها الشعب في أجسام الثائرين حتى يضمن عدم تحوّلهم بعد نجاح الثورة الى نسخة مشوهة ممن ثاروا عليهم ، ويشرعون في ممارسه ما ثاروا عليه ومات الكثير من رفاقهم لأجله...والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى عبر التاريخ حتى ساعة إعداد هذا المقال.

تقول النكتة بأن أحد آكلي لحوم البشر أصيب بمغص شديد في المعدة ،ولما عاينه ساحر القبيلة وفحصة سريريا ومخبريا قال له:

- شدّة وتزول..لكن عليك ألا تكثر من أكل السياسيين.

الإنسان الساخر لا ينصاع بسهولة الى أوامر السياسيين ومؤامراتهم، ولا ينخدع بابتساماتهم المعلبة وجلودهم الرقطاء ، لذلك كانت النكتة الساخرة هي الطلقة الأولى الموجهة الى صدر السياسي، وقد بدأها الساخرون بالحكاية على لسان الحيوان، كما في كتاب كليلة ودمنة مثلا، الذي كان وما يزال يعري السياسيين والحكام الظالمين الى الأبد...رغم أن مترجمه للعربية (أبن المقفع)دفع الثمن غاليا، وأعدموه بحجة الزندقة.

علينا أن ننسى ذلك الابتكار الرائع لشخصية جحا ...جد الساخرين الأول، الذي قد لا يكون كائنا من لحم ودم ، وقد يكون عدة كائنات تواجدت في اكثر من زمان وأكثر من مكان، وقد يكون مادة مكثفة صنعتها الشعوب من وهج الأساطير ورماد المعاناة وجمر الثورة. لذلك جاء ككائنٍ غريب ، متعدد الانتماءات ويعيش بضع حيوات متجددة ، من صهيل الصحراء حتى عصرالكهرباء، وهو ايضا خليط عجيب غريب من الذكاء والحمق ، الجهل والعلم، من الشجاعة والجبن، من الفارس والبهلول .

ورد اسم جحا العربي في شعرعمر بن ابي ربيعة عام(93هجري)، وعاصر ابي مسلم الخرساني والخليفة المنصور، وتوفى حسب المصادر التاريخية، عام 160 للهجرة بعد ان عمر طويلا ،وهو حسب ذات المصادر عربي اللون واللسان ويدعى دجين أبوالغصن بن ثابت اليربوعي البصري المعروف بجحا.

أما الأتراك فجحاهم يدعى (الخوجة نصر الدين) وقد ظهر في أحوج وقت اليه..تماما خلال الاجتياح المغولي الثاني لبلاد المسلمين ، تحديدا ،في فترة تيمورلنك المحتل القاسي المتكبر الذي كان يسخر منه جحا ويذكره بالعدل ويشفي غليل الشعب من الحاكم الظالم.

علينا ان نعترف ان جحا الأتراك هو الأكثر شهرة ، اضافة الى ان جحا العرب كان يسخر من الخليفة المنصور المشهور بالبخل، لذلك تم طمر معظم هذه الحكايات خلال العصرين العباسي الأول والثاني الى ان اختفت تحت رماد السنين.

ومن حكايات جحا التركي المشهورة ، قصته مع تيمورلنك، الذي سأله يوما قائلا:

- ترى كم اساوي بنظرك من المال يا حجا؟

فنظر اليه جحا متأملا أعلاه وأسفله، ثم قال بغير تردد:

- لا أظنك تساوي أكثر من ألف دينار ايها الملك العظيم.

فقال تيمورلنك غاضبا:

- ان ملابسي التي أرتديها الان فقط، تساوي الف دينار

فقال جحا:

- إذن فقد صدق تقديري تماما ..أيها السلطان.

المقصود طبعا ، ان تيمورلنك لا يساوي سوى ثمن ملابسه التي يرتديها.

وللفرس جحاهم ايضا ، وهو عندهم فارسي الأصل والفصل واسمه (جوجي) من أهل أصفهان، واسمه الحقيقي -على ذمتهم – هو الملا ناصر الدين.

= وفي مالطا اسمه جاهان

= وفي صقليه اسمه جويكا

كما عرفته أقوام كثيرة، وهناك ترجمات لنوادره عند الرومانيين والبلغار واليونان والألبان واليوغسلاف والأرمن والقوقاز والروس والأوكرانيين والصينيين، إضافة الى انتشار نوادره في معظم أنحاء أفريقيا.

جحا لم يمت ، لأنه يعيش في أفئدة الشعوب ، فهو روح المقاومة التي تحمل شعلة الأمل حتى لا تنطفي في الزمن الصعب، وهو مانعة الصواعق التي تنقذ الشعوب الجمعية من اليأس والإحباط والجنون.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور