كانت العرب، منذ جاهليتها الأولى،تحترم العدو لأنها – العرب- كانت تحترم نفسها، ولم تكن العرب تعادي أو تحارب إلا من يستحق المحاربة والمعاداة ، ويكون ندا في الشجاعة والكرم والقوة والنسب والحسب. ومن يراجع قصائدة عنترة بن شداد يدرك أن العرب كانت كانت تبرز الخصائل الحميد في الأعداء وتبين شجاعتهم.
عنترة بن شداد مجرد مثال بسيط،لا بل أن مجمل تراثنا العربي من شعر وحكايات وسير، يعتمد ذات النهج في منح العدو حقه من التقدير ، وأعتقد أنهم كانوا أحيانا يبالغون في مديح الأعداء من أجل تبيان أنهم ينتصرون على هؤلاء رغم قوتهم وبطولتهم ، سواء كان الأعداء عربا مثلهم أم من جنسيات أخرى.
لا أعرف بالضبط متى تخلت العرب عن هذه العادات ، هل حصل الأمر في العصر التركي السلجوقي ، أم في عصر الأيوبيين، ثم المماليك من بعدهم، ثم الأتراك من آل عثمان؟، فهذه الأمور بحاجة الى بحاثة في أنثربولوجيا الشعوب ، لكني اعتقد أن بدايات التخلي عن عادة تقدير العدو ارتبطت عاطفيا ومعنويا ، بمدى احترامنا لأنفسنا.
نعم يا سادة يا كرام ، فمنذ أن تخلى المعتصم عن بعض صلاحياته لأخواله الترك، التي مهدت- فيما بعد- الى الإنهيار التدريجي لسيطرة العنصر العربي على مقاليد الحكم ، من ذلك الوقت أصبنا بالإحباط والإكتئاب الجماعي ، ولجأنا الى الجيل النفسية من نكوص وتبرير وإسقاط من أجل تبرير أنفسنا ولوم الآخرين ، حتى لا نعترف بالمشكلة ولا نلوم أنفسنا، فلجأنا الى تتفيه وتحقير أعدائنا ، حتى لا نحقّر ونتفّه أنفسنا.
لا أكاد أصدق وأنا اقرأ الأن ما يحصل من تشويه لكل من يعادينا ، لا بل يختلف معنا – مجرد اختلاف فكري- في الرأي ، لا ِأكاد أصدق بأننا أبناء وأحفاد أولئك العرب القدامى. إذ اننا نشهر سلاح الدفاع النفسي ،ونبدأ في اتهام العدو بالتآمر والخيانة والإرتباط بالأجندات الخارجية، وما يشابهها ، الى أن نتهمة بالعمالة ، ونتحسّر على هذا الزمن الذي أصبحت فيه الخيانة وجهة نظر.طبعا الخيانة التي (صارت وجهة نظر) نقولها لكل ما تختلف معنا في الرأي والموقف في اي موضوع من الموضوعات، حتى لو كان مجرد خلاف حول نوع الشامبو الأفضل.
إننا - شعوبا وقبائل – نشبه ذلك الرجل الذي أخبروه بأن زوجته تخونه مع الكهربائي ، فدخل الى البيت ثم خرح وقال:
- كم أنتم حمقى ,,هذا لا كهربائي ولا بفهم في الكهرباء.
أو ذلك الشخص الذي قالوا له أن أمرأته تخونه في الغابة مع أحدهم ، فأنطلق الى حيث اشاروا فوجدها ، لكنه عاد اليهم وقال:
- إنكم تبالغون .....لا يمكن اعتبار عدة شجيرات غابة.
على الرغم من قسوة التشبيه- أعترف بذلك- الا أننا ،للأسف، نهرب من قضايانا ومعاركنا الفكرية ،وحتى العسكرية بذات الطريقة، ولا نرد على الأعداء والخصوم بالطريقة المنطقية ولا نحاججهم ولا نحاول أقناعهم بوجهات نظرنا ، ولا نتطرق أصلا الى المشكلة الحقيقية، بل نتجاهلها ونشرع في تشويه الأعداء ، على عكس عادات العرب عندما كانوا يحترمون انفسهم.
بالتأكيد لا أطلب ولا أطالب بتقدير الأعداء أكثر من اللازم ، ولا أطالب بالتعاطي معهم إذا لم يكن هناك ضرورة لذلك ،بل أطالب بالبحث عن آليات جديدة في خوض معاركنا، لأن شتم الآخر وتحقيره لا يوصلنا الى اي نتيجه ، بل يجعل العدو أكثر قوة لأننا نفقد- في ذات الوقت موضوعيتنا وبصيرتنا .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور