(1)
السفن القديمة تفتك بها الجرذان التي تعيش بداخلها، وتأكل من خيرات بحارتها ، إذ لا تستطيع تلك الجرذان العيش دون أن تقرض أرضية السفينة، ولو على سبيل التسلية، وما أن يتسرب الماء الى جوف السفينة ، دون أن يتنبه له البحارة ، حتى تشرع السفينة بالغرق ويختل التوازن...... الغريب أن أول من يهرب من تلك السفينة ويستشعر الخطر ، هي الجرذان ذاتها التى ادت الى تلك المصيبة..لا بل أن اصحاب السفينة يدركون بأنهم في خطر ، فقط ، حينما يرون الجرذان ، وهي تهرب من سفينتهم على أول غصن شجرة طاف في البحر.
وهذا ما حصل ايضا في سد مأرب قبل ستة قرون من انتشار الإسلام؛ فالفساد الإداري والمالي والسياسي، ادى إلى أن تقرض الجرذان أصول سد مأرب ،حتى انهار على ساكنيه وأغرق كل من حوله.
ابحثوا عن الجرذان الهاربة ..وسوف تعرفون ماذا يحصل الآن في العالم العربي.
|
(2)
قبل سنتين أو أكثر قررت دائرة الجمارك بسابق إنذار ودون ترصد إعفاء قصار القامة من الضرائب والرسوم الجمركية المترتبة على السيارات الخاصة التي يستخدمونها، لكن الجمارك اشترطت للحصول على هذا الإعفاء أن يكون الشخص سليم الأطراف العليا وظيفيا، بما لا يشكل خطرا على الصحة العامة. كما اشترطت أن لا يقل الطول عن 131 سم للذكور و121 للإناث.
في الواقع فصلتني 38 سم ملعونة من الحصول على هذا الإعفاء، لكني اعتقد أن الكثير من المسؤولين العرب يستحقون هذا الإعفاء عن جدارة.
لا يدرك الكبار كم هم صغار أمام شعوبهم..، ولا يدركون أن الهراوة لن تحميهم الى الأبد، لا بل إنها ذاتها قد تكون السبب في اسقاطهم ارضا ملطخين بالعار وبدماء الشعوب التي تضحي من أجل حريتها.
لا اعرف اذا ما كانت دائرة الجمارك تنوي ايضا منح مثل هذا الحسم لطوال القامة، لكن لن تطالني هذه الحسومات والنغنغات أيضا، لأنه تفصلني 38 سم أخرى عن طوال القامة. لكني هنا مهتم بالدرس الذي ما ازال أتذكره من رائعة (سويفت) التي تحدث فيها عن بلاد الأقزام وبلاد العمالقة...(رحلات جاليفر)، وهو بالمناسبة كاتب ساخر ، اذكر بعض التفاصيل من هذه الرواية التي قرأتها قبل 30 عاما، لكني حفرت في دماغي منذ ذلك الوقت عبارة وردت فيها تقول:
- الأقزام في بلاد العمالقة ..عمالقة في بلاد الأقزام | |
(3)
قبل أقل من مئة عام، كان البدوي الأردني ينشد قائلا:
الحمد لله تمدنّـــــــــــــــــــا
وكل واحد منا شرا طاسة
واذا عرفنا بأن (طنجرة) أو قدرا واحدا كان يكفي مجموعة من العائلات، فقد رأى جدّي الأعرابي ، أن شراء كل خربوش(خيمة متواضعة) لطنجرة تخصه هو قمة التقدم والتحضر آنذاك.
نشأت الإمارة الأردنية ، ثم تحولت الى مملكة ، ومنذ ذلك الوقت ، ودائرة الضروريات تتسع عند الإنسان الأردني ، من الطاسة حتى بيت الطين ، وانتقل من (العيش) والبرغل الى الرز العادي والأمريكي ثم رز بسمتي وضحكتي ودمعتي ثم بيت الحجر ، ثم دخلت موضة الطاولات والكراسي ، وخبز الكماج، والراديو والتلفزيون الأرضي، ثم الدش والهش والنش......... وهكذا.
حاليا ، لم يعد النت من الكماليات بل من الضروريات ، وكذلك السيارة في بلد تفتقد الى المواصلات الوطنية المنظمة، وقبل دزينة من السنوات كان الهاتف النقال من الكماليات ، أما الان فقد تحول الى قائمة الضروريات المفرطة..... بعد عقد أو عقدين ربما ستصبح ملكية طائرة الهليوكبتر من الضروريات لكل أسرة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور
login |