إنه اليوم الرابع أذا

انتهت مراسم العزاء في وفاة المرحوم عيد الحب ، الذي يدلعونه ب (فالنتاين)، وعاد العشاق الى مواقعهم سالمين غانمين ، ما عدا تلك الصبية التي خرجت بعاهة دائمة في الوجه، حينما رماها حبيبها بوردة حمراء، لكنه نسي – قبل أن يرميها عليها- أن يخرجها من المزهرية.

أعترف لكم بداية بأني أكره الأعياد بشكل عام ،لأني كنت فقيرا تماما في طفولتي ، وكانت الأعياد تشكل لي حرجا أمام الآخرين ، لأننا لم نكن نحصل على ملابس العيد والنقود والحلوى.

أذكر في أحد الأعياد أن أخي نبيل رفض الخروج من الفراش، لأن الوالدة لم تبتع له بنطلونا على العيد(الوالد كان حاط عنها ومستريح أصلا).

لما جاء الإقرباء لممارسة طقوس العيد ، وجدوا أخي في الفراش.

سال أحدهم عن وضع الولد واليوم عيد .

قالت أمي ، وهي تنوي التغطية على الموضوع ، قالت أنه مريض.

لكن القريب ثقيل الظل سال:

- وما الذي يوجعه؟؟

فسبقت أنا أمي بالقول:

- بنطلونه بوجعه.

وكانت هذه العبارة هي البداية الأولى لتكريسي كاتبا ساخرا في المستقبل ، أسخر من الفقر قبل أن يحولني الى كائن فقير الروح والضمير.

نعود لموضوعنا عيد الحب المصون:مع أني لا آبه له واعتبره وسيلة نصب واحتيال اخترعها التجار لتسويق بضاعتهم الفاسدة. من زهور اصطناعية وكرتات تافهة، وعلى ذكر الكرتات ، فقد دخل الشاب الى محل بيع (كرستا) الفالنتاين ، وسأل التاجر إذا كان لديه كرتات مكتوب عليها (الى حبي الوحيد) مع رسم وردة حمرا، فقال التاجر بأنها متوفرة ، فقال الشاب :

- انتظر قليلا...سمر، سعاد، فهيمة، نانسي، تغريد، أحلام، نجوى، سبعة ... أعطني عشرة كرتات احتياطا ـ ربما اكون نسيت بعضا من صديقاتي .

في الواقع فإننا نتوهم الحب ثم نعشق الوهم، تماما كأصحاب الحب العذري الذين كانوا يقعون في حب حبهم، والحبيبة لا تكون سوى وسيلة الى ذلك فقط، وحين تتوفر ظروف اللقاء ، أو الزواج ، فإن ذلك الحبيب كان يهرب او يتهرب منها، حتى لا يخسر حالة الحب التي يعيشها.

ونحن هنا نقع تحت تأثير حب العيد،ونستخدم عيد الحب وسيلة ومطية لتنفيس عواطفنا .

اعترف اننا نحن الرجال دجالون كذابون، وأن وراء كل رجل عظيم إمرأة.. صحيح.. لكنها إمرأة مقموعة مظلومة مضطهدة ماكله هوا.. كانت مخدوعة ذات يوم بالورود الحمراء.

عيد الأم ايضاً يندرج تحت قائمة الأعياد التي اخترعها كارتيل التجار العالمي لبيع بضاعتهم الكاسدة، بأعلى الأسعار.

لا تغرنكم الدعايات التي تحض الابناء على شراء العطور ومنتجات التكنولوجيا الحديثة من أجل تحويلها الى هدايا ملفوفة بعناية ومقدمة للامهات في هذا العيد غير الفضيل.

فالعادة ان تنجح شركات الطناجروالعصّارات ،والمكانس الكهربائية في تحويل هذا العيد الى مهرجان لتسوق الادوات الكاسدة.

الخاسر الوحيد، في هذه الهيزعة ،هي الأم طبعاً التي لا ناقة لها ولا بعير في هكذا هدايا، إنما هي مجرد أدوات مطبخ جديدة .. هي مجرد أدوات جديدة لتحسين شروط العبودية، وحتى يتناول الابناء والآباء لقمة اكثر متعة على حساب صحة الام وراحتها، والتي لن يعذرها أحد إذا لم تطبخ، ما دام عندها طنجرة بريستو وفرامة ملوخية وخلاط وماكنة فرم سلطة .

قليلون هم الذين يفكرون في حاجات الأم، وفي الهدايا التي يمكن ان تفرحها، وهي في الأساس الحب الحقيقي الصادق من الأبناء والأعزاء.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور