ربي بلاني في ام قصير
تسعين ليلة وانا أعدي
تسعين ليلة وانا وجعان
جرح اللي جوه الحشا يملي
ودًوني لامي قبل انا اموت
نخيت عمي ولا رد
تشكيلك الهم يا امي
لكتب سلامي على جنح الطير
بلكي هواكو يجي لعندي
واشكيلك الهم يا ياما
عيشتي اليوم مسودة
تخيلوا كاتبة هذه الكلمات ، فتاة صغيرة تقارب الخامسة عشرة...جميلة ذات عيون خضراء ، يتيمة، كانت أذكى الطالبات في المدرسة ، لكنهم أخذوها من مقاعد الدراسة وزوجوها لابن العم، وصادف أن كان الزواج وقت الحصيدة ، فنقلوها فورا بعد ليلة الدخلة، الى قرية أم قصير، حيث كانت العائلة تستأجر أرضا صغيرة وتزرعها بالقمح،سلّموها المنجل ، بينما ذهب الزوج الجندي الى الجيش.
عرفتها منذ طفولتي بحكم كونها زوجة شقيق جدي لأمي ، كانت امرأة رقيقة دائمة الابتسام تحاول أن تريح الناس الذين حولها ، على حساب راحتها،لكني تعرفت إليها أكثر بعد أن كبرت قليلا وتعرفت إلى الأديب سالم النحاس ووجيه وجهاد، ثم تعرفت إلى جلال النحاس بعد عودته من الخارج في الثمانينيات ، حيث قضى فترة شبابه قائدا لأحد معسكرات الفدائيين المختصين بالعمليات داخل فلسطين ، حيث ترك مقاعد الدراسة في روسيا والتحق بالثورة من بداية السبعينيات ...وبحكم القرابة أعرف جميع افراد العائلة ذكورا وإناثا، وقد حملت جميع بناتها الكثير من طيبتها ومحبتها للجميع ، رغم قسوة الآخرين.
في إحدى قصصه القصيرة وصف سالم المدينة (مأدبا) على انها محاطة بالمقابر من الشمال والشرق والغرب ، لكن جثمانه دفن في المقبرة الجنوبية التي استكملت حديثا ،بالتالي اكتملت دائرة الموت حول المدينة .
لكن سالم كان دوما يحارب الموت ويحتفل بالحياة ، في كتاباته ، كما في حياته الواقعية . ومعظم، إن لم يكن جميع، أبطال قصصه ورواياته ومسرحياته، يحتفون بالحياة ويناضلون من أجلها، وربما يموتون من أجلها أيضا، ليس على طريقتهم، بل على الطريقة التي ارادها سالم النحاس لهم ، والتي مارسها في حياته العملية .
جلال رحل ايضا العام الفائت بعد أن صرعه السرطان، وترك لنا رواية رائعة ، من المفترض أن تصدر قريبا عن رابطة الكتاب الأردنيين ، رصد فيها جزءا من تجاربه خلال العمل العسكري بأسلوب مذهل ، وقد حاولت خلال حياته أن اشجعه على النشر ، لكنه كان يخجل من النشر ، مع أن ما يكتبه كان عظيما.
كما قلت كانت ام سالم امرأة هادئة ، لكنها كانت تدافع بشراسة عن ابنائها وخياراتهم السياسية التي قادتهم الى العمل السياسي ، هذا في الخارج ، وسالم ووجيه في السجن أكثر من مرة . وقد كتبت قصة في بداية توجهي للنثر بعنوان (قطة أم سالم) تحدثت فيها عن قطة كانت تعيش في بيت أم سالم وكان الجميع يضربها ويلاعبها بقسوة، دون أن تدافع عن نفسها ، وقد غابت القطة لأسبوع ، ثم وجدوها داخل الغسالة القديمة ترضع أطفال أنجبتهم خلال غيبتها ، وعندما حاول الأطفال الاعتداء على اطفالها هاجمتهم بشراسة ....القصة حقيقية وحصلت في بيت أم سالم ، ومدلولاتها حقيقية حصلت مع ام سالم.
بالمناسبة ، اجتمع الأهل والأصدقاء أمس الجمعة في الذكرى الأربعين على وفاة الخضراء ..أم سالم، إنها اردنية حقيقية عاشت من أجل الاخرين ، ثم رحلت بهدوء، بعد صراع مع الشقاء دام أكثر من تسعين عاما.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور