أول أمس الاحد، ساهمت مع المئات من المدعويين في وضع الحجرات الأولى في أكبر لوحة فسيفسائية في العالم، كان ذلك خلال حفل افتتاح حفل مجمع (لاستوريا) السياحي ، في منطقة جبل نيبو- مادبا. بمعني أن هذه اللوحة الفسيفسائية العملاقة ، والتي هي الأكبر في العالم والتي سينتهي العمل بها بعد تركيب كذا مليون حجر في مكانها لتظهر أمامنا خارطة للطريق الملوكي الروماني المنطلق من العقبة مرورا بمادبا وانتهاءا ببصرى الشام، هذه اللوحة العملاقة من المفترض أن تسجل في كتاب غينيس للأرقام القياسية، ونكون بذلك شاركنا بشكل أكثر رقيا من صحن الحمص العملاق أو سدر المنسف أو التبولة وما شابهها من أطعمة.
هكذا ساكون أنا ، يوسوفيوس المادبي ، شاركت في اللوحة الفسيفسائية، مستذكرا جدي الأول في مدينة مادبا سلمانيوس الذي أنجز لوحة الخارطة الفسيفسائية لخارطة المنطقة في القرن السادس الميلادي ، وما تزال أجزاء منها في مكانها على أرضية كنيسة الروم الأورثوذوكس في مادبا ، اضافة الى لوحات عديدة للفنان الكبير، طبعا مساهمتي متواضعة مثل المئات من المساهمين غيري، لكن –وعلى رأي الشاعر الكبير رسول حمزاتوف ، فإن أروع الجرار تصنع من الطين العادي ، وأروع الأشعار تصنع من الكلمات البسيطة.
مجمع لاستوريا السياحي ..... وكلمة (لاستوريا) تعني الحكاية ، وهو بالفعل حكاية منذ بدايته ، إذ قام ، هذا الصرح الكبير،بجهود شخصية لعدد محدود من الشباب المادبي الذي أنشأ مجمعا سياحيا تعجز عنه دول غنية ، وهو يشابه في فكرته متحف الشمع المشهور في بيروت ، الا أنه يركز على تاريخ المنطقة ويؤرخ للأردن - وليس لمادبا فحسب- صوتا وصورة وحركة ومجسمات، تبين لنا تاريخ الصناعات والحرف وطرق معيشة الإنسان الأردني في المراحل السابقة ، وكيف استطاع الإنسان الأردني ابتكار أدواته التي سيطر بها على بيئته وسخرها لخدمته.
لم أكن أتخيل أن حياة الآباء والأجداد بهذا الثراء ، ومع أني عاينت جميع هذه الحرف وأصحابها في المدينة ، إلا أني كنت اراها مبعثرة هنا وهناك ، ولم يخطر في بالي هذا الحجم الهائل من أساليب تطويع الطبيعة القاسية. إذ يتوفر في هذا المجمع معظم المهن والحرف ووسائل الحياة التي عمل بها الإنسان الأردني ، الخباز والحلاق والنجار وصانع الجرار وصانع القش والدكنجي والعطار وما الى ذلك مرورا بالخب. العربي على الصاج وطريقة صنع الزبدة والسمن والمخيض، وليس انتهاء بالربابة والمقهى وأساليب اللهو...وما الى ذلك كثير كثير .
ولم ينس مجمع لاستوريا التراث الديني للمنطقة من المجسمات التي توقظ التاريخ حيا أمام أعيننا وأسماعنا، الى أدوات الزينة والمطبخ والأسلحة والفنون المتنوعة.
خلال كلمات الاحتفال دعا المتكلمون الى تنشيط حملة استعادة حجر ميشع(مسلّة ميشع)التي تنتمي للمنطقة لكنا موجودة حاليا في متحف اللوفر في باريس ، وقد علمت أن القوانين والأعراف الدولية تسمح بإستعادتها، اذا تم توفير الجو البيئي المناسب ودرجة الأمان المناسبة لحماية هذا النصب التاريخي الكبير الذي يجسد انتصار الملك المؤابي ميشع على الغزاة اليهود ، وطردهم من المنطقة.
بالمناسبة، أول أنشط الداعين الى استعادة حجر ميشع كان الشاب شارلي الطوال وهو أحد مالكي هذا المجمع ، لذلك أتوجه لهولاء الشباب ،قبل توجهي الى وزارة السياحة ، الى الشروع بمعركة إعلامية لإستعادة الحجر المسلوب ،يكون مجمع (لاستوريا) مقر هيئة قيادتها وأركانها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور