من الموضوعات البارزة في الشعر الإسلامي المعاصر موضوعة الاغتراب داخل الذات/ الوطن. ولا غرابة في هذا إذ علمْنا أن بواعث هذا الاغتراب قد استفحلت وتشعّبت في اللحظة الحضارية الآنية خاصة. والذي يتصفح دواوين محمد علي الرباوي ومجموعاته الشعرية وقصائده المنشورة في بعض الصحف الوطنية والعربية يلمس –من كثبٍ- مدى حضور ثيمة الغربة والمعاناة في شعره. وستسعى هذه الورقات إلى رصْد تجليات تلك الغربة وبواعثها وما يرتبط بذلك بكثير من الإيجاز.
لقد تعرض وطن الرباوي (المغرب) مُذ صدمة الحداثة إلى حملات التغريب النَتِنة، فأصبح كل شيء فيه يبعث على الدهشة والتألم والغربة. إذ غزا الغرب/ الروم كلَّ مناحي حياة المغاربة – وكذا المسلمين - بدْءاً من أبْسطها إلى أشدها تعقيداً. يقول الرباوي:[1] (المتدارك)
هُوَ ذا الجُمْرُكُ يَسْتَوْقِفُ هَيْكَلَكَ العَضْمِيّْ..
- (ما اسْمُكْ؟
مِنْ أيِّ بِلادٍ أنْتْ؟)
تُوقِظُكَ الدَّهْشَةُ
تَصْحُو:
فإذا الجُمْرُكُ رُومٌ!
الشُّرْطَةُ في الشّارِعِ رُومٌ!
الشّاشَةُ في بَيْتِكَ رُومٌ!
زَوْجُكَ، أبْناؤُكَ… رُومٌ!
رُومٌ!
رُومٌ!
تَشْعُرُ أنّ عَلَيْكَ لِبَاسَ الخَوْفِ
عَلَيْكَ لِبَاسَ الدَّهْشَةِ.
وهكذا تشبَّه بالروم الجمرك، الإعلام، الزوج،… وقد تفاقم الأمرُ حتى استحالَ ظاهرة عامة. وهذه الصورة الموبوءة الانهزامية لا تقتصر على بلد الشاعر، بل تمتد لتبسُط ظلالها على رُبوع الأمة الإسلامية رُمّتِها لما تعرضت إليه من غزو حضاري غربي منذ أفول نجمها. وكان من الطبيعي أن يتسبب هذا الجو القاتم في إفراز حالات التغرُّب والدهشة والتوجُّس والتألم المرير؛ لا سيما عند شاعر مُرْهَف الحس، سليم التصوُّر كالرباوي.
وتَصْرف هذه الآلام الإنسان إلى الالتزام بقيم الحق، والثبات على المبادئ الأصيلة، والعمل على تكسير صرْح رموز الطغيان والشر. فهذه الغربة موقوتة زائلة –لا محالة- سواء طال أمدها أم قصُر، وعلى الإنسان أن يستغل دنياه أحسن استغلال استعداداً للغربة الكبرى المتمثلة ب"يوم القيامة". يقول:[2]
ولَكِنْ
تَثَبَّتْ
تَعْلمُ أنّ السّاعَةَ غُرْبَتُكَ الصُّغْرَى
أوْدَعَتْ لَوافِحَها في جَوْفِ البَحْرِ
وأنّكَ تَدْخُلُ غابَةَ غُرْبَتِكَ الكُبْرَى
هَلْ أعْدَدْتَ لها زاداً
في حَجْم فَيَافِيها؟
ويقول في القصيدة نفسها منوِّها ومبشراً بالخير والنور:[3]
عَظيمٌ أنْتَ وأنْتَ تُعِدُّ
الزّادَ لغُرْبَتِكَ الكُبْرى
هَل بُشِّرْتَ بأنّ الفَجْرَ على الأبْوابِ؟!
وحين تنغلق كل الأبواب في وجه الشاعر، وينحصر في أضْيق زاوية من زوايا الحياة، ويصطدم بجدار اليأس القاطع، وينصهر في بُوتَقة العذاب النفسي والجسدي، فإنه حينذاك لا يشعر بالاغتراب الوجودي الذي هو انفصام حادّ بين مكوّنات الإنسان الداخلية؛ ما دام مُستبيناً لمصيره، مُوائماً بين عقله وقلبه، مُناغماً بين روحه وجسده، مُستنقذاً ذاته من الأوهام والظنون، متحرراً من شهوات العمر اللامتناهية التي تنهك دم الإنسان وتؤزّ مشاعره… بل إنه يفرّ بكِيانه إلى حومة الله تعالى ولطفه طالباً العون والسندَ. يقول الرباوي:[4] (المتدارك)
هل أقدِرُ أنْ أعْبُرَ هذي الأدْغالَ الفَتّاكَةْ
إنْ عَنّي أنْتَ تَخلّيْتَ؟
لِماذا يا مَوْلايَ خُلِقتُ هَلُوعاً
إنْ مَسَّ جِنَانِي المَحْلُ جَزُوعاً
أوْ مَسَّ جِنانِي الوَبْلُ جَزُوعاَ
أدْرِِكْني
مِنْ وَسْواسِي الخَنّاس، وعَلِّمْني
أنْ أمَلأ دُنْيايَ بحَمْدِكْ.
وقد تغرَّب الرباوي بين أحضان وطنه؛ إذ يذكر أنه لم يقطعْ بَرّا ولا بحرا إلى خارج مغربه، ومع ذلك فقد اغترب في مدينة (فاس) العريقة التي لا تفصلها سوى أميال معدودات عن مدينته الأثيرة (وجدة) التي طالما تغنّى بها في شعره:[5] (المتدارك)
أنا لمْ أقْطَعْ بَحْراً،
لمْ أرْكَبْ بَرّاً،
لكِنّي في فاسَ تَغَرَّبْتُ
وفي إسْفَلْتِ شَوارِعِها
كالكَأسِ تَحَطّمْتُ
وداسَتْ أرْجُلُ كُلِّ الرِّجْلَ زُجَاجَةَ ذاتِي
هلْ أحَدٌ يا فاسُ بَكى وتَوَجَّعَ مِنْ ألَمٍ؟
ضُمِّنِي
حتّى أشْعُرَ أنّ ضُلُوعِي
تتكَسَّرُ ضِلْعاً ضِلْعاَ،
إنّي في عَيْنَيْكِ تَغَرَّبْتُ، تَساءَلْتُ مِراراً..
ماذا يَفْصِلُ وَجْدَةَ عَنْ
رَبَوَاتِكِ يا فاسُ المُغْلَقَةَ المَفْتُوحَةْ؟
وفضلاً عن معاناة الرباوي وغربته داخل فضاء فاس، نلحظه يكشف عن اغترابه المُؤلم وعذابه القاسي داخل وطنه المسروق الذي يقابل إحسانه بالإساءة. ورُغم ذلك فهذا الوطن عزيزٌ لدى الشاعر لا يستطيع أن يرحل عنه أو ينْساه:[6] (المتدارك)
(…) يا جَسَدِي
أنا ما زِلْتُ على كتِفي أحْمِلُ أحْجاراً
عندَ طُلُوع الغَضَبِ الجَبّار على بَلدِي
المَسْروقِ جِهاراً. بَلَدِي أعْشَبَ وادِيهِ وَنَمَّ
به الزَّهْرُ الفاتِنُ، لكنْ أسْألهُ خُبْزاً
يُعْطينِي حَجَراً. بَلَدي هذا المَسْروقُ وإنْ
جَارَ عَلَيَّ عَزيزُ، والأهْلُ وإنْ قَطَعُوا
حَبْلَ الوَصَالِ عَلَيَّ كِرامُ.
إن الرباوي عاش التيه والضياع طَوال عمره، كما يعترف بذلك الشاعر نفسُه في قصيدته "ورقة من ملف الاعتراف"، حيث قال:[7] (الرَّمَل التام)
عِشْتُ عُمْري تَائِهاً وَسْطَ الفَلاَةِ
تُحْرَقُ الأيّامُ صَفْصَافَةَ ذاتِي،
وتَحُطُّ الرَّمْلَ فَوْقِي، وأنَا
عَبَثاً أبْحَثُ عَنّي في حَيَاتِي.
وقد دفعت كثرة معايَشة الشاعر لتجربة التيه إلى الضَّجَر والتبَرُّم منها:[8] (الرمل)
قدْ سَئِمْتُ
عالَمَ التّيهِ المُبَعْثَرْ،
وعَلِمْتُ
أنّني كُنْتُ مُغَبَّرْ،
فصَحَوْتُ،
ولَمَسْتُ
كُنْهَ رَبّي
في سَنَا الزَّهْر المُعَطَّرْ.
ويكتوي الرباوي بلهيب نار الوحدة والتغرب داخل منفى الذات/ الوطن منذ زمن بعيد. ويصل به الأمر إلى أن يتمنى صُنْع ذاتٍ أخرى غيرِ ذاته الأصلية ليحل فيها فراراً من قسْوة واقعه الذي التهمَته نيرانُ الغضب والبكاء. وهذا مجرد تمنٍّ، والتمني يستحيل تحققه على أرض الواقع كما في عُرْف علماء البلاغة. يقول الشاعر[9]: (المتدارك)
ها أصْبَحْتُ وَحيداً في مَنْفى خَوْفي الرّابِضِ
في عَيْني مُنْذ سِنينْ
وغَلائِلُهُ تُورقُ كُلَّ دَقيقة،
وأنا أتَحَوَّلُ ناراً غَضْبَى، ناراً تُحْرقُ ذَاتي
آهٍ لوْ أنّي خارجَ ذاتي
لوْ أنّي أمْلِكُ أنْ أصْنَعَ لي ذاتاً أخْرى
تمْشي لا ترْسُم ظِلاًّ فَوْق شَفاهِ الأرْضِ.
حينَ تصَادَمَتُ مَعَ الرّيح ضَحِكْتُ كَثيراً
حينَ تََعَرّى جَسَدي وتَكَلَّم جَهْراً
لُغَةَ الطِّين بَكَيْتُ كَثيراَ.
وفهمت خبايا الذات كثيرا.
وفي غمرة الوحدة والوحشة، يتملك شعور الخوف الرباوي، وتداهمه فرسان العشق حاملةً رسالة التفاؤل والأمل. يقول الرباوي:[10] (المتقارب التام)
تَمَلَّكَني الخَوْفُ في وَحْدَتي
فداهَمَني العِشْقُ سِرّاً وَجَهْراَ
أبَعْدَ اليَبابِ حَيَاةٌ تَهُزُّ
رِمالِي وتُشْعِلُ في الصَّدْر جَمْراَ
يدرك الرباوي أن غربته القاسية وتيهَه الطويل وعذاباته المتتالية مسبَّباتٌ لأسباب خارجية عبّر عنها ب"الطواغيت". وهذه الطواغيت هي التي حملته على التغرُّب عن أهله وأقاربه بدون حق. وعليه، فإنها آيلة –لا محالة- للفناء والزوال مهما تعالت وأمْعَنَت في التغريب القسْري للأبرياء، لتترك المجال للشاعر التّواق إلى العيش الأخضر والنبيل. يقول الشاعر في قصيدته "هذا الجسد" التي نظّمَها بوجدة عام 1980م:[11] (المتدارك)
جَسَدي مَرْتَعٌ لصَهيل الصَّدى، هَجَرَتْ رَبْعَهُ القَطَواتُ،
وأعْطَتْ لهَذي الطَّحالِبِ حَقَّ التّسَكُّع في كَهْفَ ذاتي، لقدْ بَشَّرَتْني
اللَّيالي بهذا العَذابِ العَظيمِ، فَخُضْتُ مَتَالِفَهُ زَمَناً، ذُقْتُ فيهِ
لَذيذَ التغرُّبِ، يا صاحِبي كَمْ تَغَرَّبْتُ بَينَ جَزائرِ دُنْيايَ دَهْراً
بَطيءَ الفُصولِ، وَتِهْتُ حَياتي حَتى اسْتضَأتُ بنَارِ التَّتَار،
وذاتي مِنها انْسَحَبْتُ، وأخْرَجَت أثقالَها للتَّنائِفِ، يا صاحِبي
أنا رافَقنِي اليُتْمُ، رافَقتُهُ زَمَناً… آهٍ يا ليْتَ ناقتكَ اليَوْمَ تَبْرَكُ
في مَرْبَدي، هيَ قدْ خَرَجَتْ مِن ضِفافِ الخَليج مُحَمَّلَةً بسِلالِ
الصَّباح، هيَ الآنَ مَأمُورَةٌ أنْ تَدُكَّ جِبَاهَ الطَّواغِيتِ… هذي
الجِبَاهُ التي غَرَّبَتْني عَنِ الأهْل سَوْفَ تَزُولُ، تَزُولُ، تَزُولْ
وَيُزْهِرُ هذا الجَسَدْ.
لقد كتب الرباوي هذا النص على طريقةٍ أشبه ما تكون بالنثر، اعتمد فيها ما يسمى "التدوير العروضي". والملاحَظ أن هذه الظاهرة قد تفشَّت في الشعر العربي المعاصر، في السنين الأخيرة بخاصة، وإن كان قد أنكرها غيرُ واحد من الدارسين والناقدين. والسؤال المطروح، هاهنا، هو : لماذا اعتمد الرباوي تقنية التدوير العروضي في نصه هذا وفي نصوص أخرى؟
لاشك في أن ثمة دوافع تقبع وراء ركوب الرباوي هذه التقنية في نظْم بعض قصيده. ومن الملموس أن الرجل يركن إلى هذه الطريقة بصورة لافتة للانتباه في شعره الغنائي/ الذاتي، ويستعمل فيه –بكثرة- وزن المتدارك (أو الخبب) الذي يصلح إلى حدٍّ بعيد للتعبير عن المشاعر والعواطف وكل ما له صلة بالنفس الشاعرة. يقول الرباوي في مقدمة مجموعته الشعرية "الرمانة الحجرية": "إن مَن يقرأ قصائد هذه المجموعة وغيرها مما أصْدرْتُه أو نشرْتُه في المجلات والصحف الوطنية والعربية، سيُلاحظ أن القصائد التي يغلب عليها الطابع الذاتي، أي تلك التي أكتبها استجابة لضغط داخلي، تتخذ شكلا مدوّراً، وغالباً ما يكون الخَبَب هو النَّسَق النَّغَمي المناسب لهذا التدوير. أما القصائد التي يكون الموضوع الخارجي هو الغالب عليها فإن أبياتها تتخذ شكلا مألوفاً قد تطول وقد تقصر"[12].
إن الحزن والأسى من النبرات السائدة في شعر الرباوي، ذلك بأن "الشعر معاناة" كما قال الرباوي نفسه في مقدمة ديوانه "أطباق جهنم"؛ أي إنه تعبير عما يختلج في نفس الشاعر من أحزان ومشاعر أسْيانة. يقول الرباوي في قصيدةٍ عنوانُها "باتنَهْ":[13] (المتقارب)
لِبَاتْنَةَ أنْ تَسْكُنَ القلْبَ جَهْراً.
لها أنْ تُصافَحَ وَجْدَةَ إنْ لَقِيَتْها تُرَفْرِفُ
بيْنَ شَوارعِهِ المُكْفَهِرَّةِ ذاتَ مَساءٍ. لها أنْ تُمارسَ
حُزْني الذي خَبَّأتْه السِّنُونُ بصَدْري، وأعْطَتْهُ حَقَّ
التّسَكُّع في قَطَراتَ دَمِي.
وتتخذ هذه النبرة بُعدا أكثر قساوة وفظاظة في وطن الشاعر الذي يقسو على أبنائه، ويزرع في عيونهم بذور الحزن، بل إنه لَيتعدّى ذلك حين يعْمِد إلى "تصدير" أبنائه وتغريبهم إلى بلاد النصارى التي تستفيد من قُواهم العضلية والذهْنية مقابلَ أجور زهيدة:[14] (المتدارك)
يا عَبْدَ الرَّحْمانَ
قاسٍ هذا البَلدُ الأقصَى.
يَزْرَعُ في أعْيُنِنا
أعْشابَ الحُزْن القاتِلِ
ويُصَدِّرُنا عَضَلاتٍ تخْضَرُّ بها
أشْجارُ بِلادِ الرُّومْ.
ورُغم شبَح هذه القسوة الشديدة التي تطارد الإنسان في بلده، فإن المرء حينما يغترب عن وطنه وأهله سَرْعان ما يتفقد أرضه وذويه، ولا يهْنأ له بالٌ في ديار الغربة والمهجر، بل يحِنُ مراراً إلى رياح بلده وجمال طبيعته. يقول الرباوي:[15]
قاسٍ هذا البَلدُ الأقْصَى.
قاسٍ.. قاسٍ.. لكِنْ
حينَ نَدُقُّ الأوْتادَ هُنالِكَ فِي جُزُرٍ
لا تَسْتَنْشِقُ ريحَ الأطْلَسِ، والرِّيفِ الشّامِخِ،
حينَ نَحُطُّ على أغْصانٍ
لا نُبْصِرُ مِنها أقْمارَ الأحْبابِ،
ولا نَسْمَعُ مِنها شََغَبَ الأوْلادِ،
تُصْبِحُ دُرّاً حَصْباءً بِلادِي
وشَمُولاً أنْفاسُ رياحِ بِلادي
وهكذا يشتاق الإنسان المغترب إلى تلك الأحزان التي طالما تبرَّم منها أيام كان في وطنه:[16]
يا عبْدَ الرَّحْمان
ما أسَعَدَكَ الآنَ!
إذ تشْتاقُ إلى هَذي الأحْزانِ.
إن الإنسان لا يعيش حياة الكرامة والسعادة إلا بين أحضان وطنه الذي نشأ وترعرع فيه. ومهما حاول المرء الفرار من وطنه ونسيانه، فإنه لا يقدر؛ لأن الأوطان جواذب. ومن الواضح أن الرباوي قد عاش تجربة الغربة والمعاناة داخل وطنه الحبيب وتألم من وقْعها، بيد أنه آثَرَ – رغم ذلك كله - البقاءَ في وطنه والعيش في كنفه صامداً ثابتاً كثبوت النخل في الفَلاة، والملح في البحر، والحب في قلب العاشق الولهان. يقول:[17] (المتدارك)
- اُهْجُرْ
- لاَ
لا هِجْرَةَ بَعْد الفَتح المَيْمُونْ
عظيمٌ أنْتَ وأنْتَ هُنا تَثبُتُ في أرْضِكْ
كالنَّخْل الواقِفِ في الصَّحْراءِ
وكَالمِلح السَّارح في البَحْرِ
وكالحُبِّ النّابضِ في قلْبِ المَجْنُونْ؟
ويعبِّر الرباوي في مواضعَ كثيرةٍ من دواوينه ومجموعاته الشعرية عن وطنيته الصادقة، وحُبه العميق لوطنه الجميل، وتعلقه الشديد بأهدابه؛ ذلك بأنه يدرك تمام الإدراك أن "لا حياة في ظل الاغتراب، ولا وجود بعيدا عن الانتماء والاندماج في الجماعة"[18]. يقول:[19] (المتدارك)
هُوَ ذا الوَطَنُ الحُلْمُ أمَامَكَ
أجْهَشْتَ لهُ حينَ رأيْتَ سَنابِلَهُ الخُضْرَ
وهَلَّلَ للرَّحْمَن وَكَبَّرْ
حينَ اشْتعَلَتْ عيْناكَ عَصافِيراَ
***
هُو ذا الوَطنُ الحُلمُ أمامكَ
حُلْوٌ فَمُ هذا المَحْبوبِ السّاحِرْ
خَدّاهُ كَفِلْقَةِ رُمّانَهْ
عَيْناهُ خَميلةُ طِيبٍ
تَقطُرُ شَهْداً شَفَتاهْ.
يبدو أن الشاعر يخاطب شخصاً آخر، ولكنه في الحقيقة يتحدث عن ذاته التي أهلكها التغرب الذاتي، فحلمت بوطن جميل تجد فيه راحتها وطمأنينتها. ومن الملاحظات البارزة التي يمكن أن نسجلها ونحن نستعرض نموذجاتٍ من شعر الرباوي كونه يكثر من استعمال بحر المتدارك (أو الخبب) باعتباره نسقا نغميا وقالبا موسيقيا يصلح لاستيعاب المشاعر الحزينة والأحاسيس المتوترة.
أشرنا في مكان سابق إلى أن الرباوي من أبرز الشعراء الذين تحدثوا عن تجربة الغربة والمعاناة داخل فضاء المدينة. وهو أمر يلمَسُه كل من احتكّ بشعره ودَرَسه. وقد رأينا آنفاً كيف أن الشاعر قد اغترب في مدينة فاس داخل مغربه دون أن يقطع برا ولا بحرا إلى خارجه! وهذا -لعَمْرُك- من أغرب أشكال الاغتراب، وأكثرها إيلاماً.
يحضر الفضاء المكاني[20] بكثافةٍ في أشعار الرباوي. ففي ديوانه "أطباق جهنم" مثلا نجد حضورا قوياً لفضاء "وجدة"، ولا سيما في القسم الثاني منه المُعَنْوَن ب"حديقة العطش"… ومن المدن التي تحدث عنها الرباوي في شعره "الدار البيضاء" التي تجنح صورتها نحو "باريس". يقول:[21] (الرمل)
أبَداً ما أنْتِ بَيْضاءَ.. ولكنّكِ بَيْداءُ تغَطّي غابَةٌ مِنْ شَجَرِ
الإسْمَنْتِ مِرْآتَكِ. وَجْهانِ كَبيران لَكِ السّاعَةَ. وَجْهٌ أبْيَضٌ
مِثلَ بَياضِ الطَّيْر حينَ الحُبُّ يَرْميهِ بِحبّاتٍ مِنَ الصُّبْح،
وَوَجْهٌ تُحْرَقُ الشَّْمْسُ خَلاياهُ. لِباريسَ نَشيدٌ يَنْتشي حِينَ
عَلى إيقاعِهِ تَرْقصُ أغْصانُكِ رَقْصاَ.
ويميّز الرباوي بين مدينة وأخرى؛ إذ يفرق بين الدار البيضاء ومراكش. على أساس أن الأولى قد اقتفت أثر الغرب الكافر المتحضر في كل مجالي الحياة، على حين ظلت الثانية محافِظة على صورتها المغربية وهُويتها الأصلية. يقول:[22] (الرمل)
قدْ عَبَرْتِ البحْرَ ما فَكَّرْتِ في مُرّاكُشَ الحَمْراءِ عامَ اكْتسَحَ
الجُوعُ جُموعَ النَّخْل. تساقَطْتِ جَذلَى كالفَراشاتِ على
عاصِفَةِ الضَّوْءِ الذي قالَ احْرَقِي الفُلْكَ فكانَ الفُلْكُ في
مُسْتَْنْقَعٍ هَشيماَ.
ويقول مصوِّراً أجواء القلق والرُّعب والغربة في المدينة:[23] (المتدارك)
يا رَبّاويْ..
يا السّاكِنُ في غاباتِ القلقِ الوَهّاج..
مِا لكَ تُسْرِعُ في خَطْوكَ
لَكَأنّ وَراءَكَ يَعْوي ليْلٌ دَاجٍ.
رَدَّ عليّ بصَوْتٍ مُهْتاجٍ:
"اَلوَقتُ قَصيرْ،
والدُّنْيا صَعْبَهْ،
والبُسْتانُ بَعيدٌ بُعْدي عَنّي،
وأنا ما زِلْتُ بهَذي الأبْراجِ
في جَوْف الجَمْر تُبارزُ نَفْسي نَفْسي
وتُهَدِّدُها، في جوْفِ الجَمْر
بِما في هذا الرُّعْب الصّاخِبِ
مِنْ أمْواجْ".
وهكذا، يتبدّى لنا أن إيقاع السرعة والإحساس بعامل الزمن من أبرز ميزات حياة المدينة. يقول عِز الدين إسماعيل: "من أبرز ما يميز المدينة الإحساس فيها بعامل الزمن، وانعكاس هذا العامل على الحياة نفسها وعلى علاقات الناس بعضهم ببعض".[24]
وتجدُر الإشارة إلى أن تجربة الغربة والمعاناة في عالم المدينة تتسم بالصدق والأصالة عند الشاعر الإسلامي المعاصر بعامة. وقد تبيّن لنا -فعلاً- من خلال معاينة هذه التجربة في شعر الرباوي مدى صدقها؛ فالرجل عانى مرارة التغرب والتشرد في فضاء المدينة التي فقدت كثيرا من مقوِّماتها الحضارية لتنساق وراء حضارة الغرب الوافدة، فعبَّر عن ذلك في شعره أصدق تعبير. وهذا عكس ما نجده عند شعراء الحداثة الذين يتحدثون عن هذه التجربة، ولكن بروح مِلؤُها الزيف والنُّبُوّ عن الأصالة.
والواقع أن حال أمتنا في الوقت الحاضر لا يبعث على الراحة والغبطة. ففي أجزاء كثيرة منها تسيل دماء، وتنتهك حرمات، وتضطهد أرواح… وقد كان لامناص من أن يترك هذا الوضع المُزري الذي يزداد مع توالي الأيام قتامة أثراً واضحا في نفسية الشاعر الإسلامي المعاصر المعروف برهافة حسه ورقة شعوره. وهكذا ألْفَيْنا الرباوي في كثير من قصيده يستحضر واقع أمتنا المأساوي، ويتحسّر على ماضي المسلمين، ويتبرَّم من الحال التي آلوا إليها؛ وهي حال تدفع إلى الاغتراب والحزن والتألم المُرّ.
إن الرباوي الذي يحمل في قرارة فؤاده هَمّ الأمة يُعاين من كثب ما يجري لإخوانه في فلسطين المحتلة من صنوف التقتيل والتشريد على يد بني صِهْيون الذين لم يحترموا ذِمّة ولا إلاًّ، فراحوا يعْبثون بمقدّسات أمتنا في غياب الدعم العربي والإسلامي الفعلي للقضية الفلسطينية الشائكة. وكل هذا يُعذب الرباوي، ويدفع به إلى خُلجان المعاناة والتغرب والجنون. يقول:[25] (المتقارب التام)
أرى الشعْبَ يا قلبِ يُدْفَنُ حيّاً
إذا صاحَ: إنّي أجُوعُ وأُعْرَى
ويَبْقى العَدُوُّ بأرْض الرِّسالاتِ
يَخْترقُ القُدْسَ شِبْراً فشِبْراَ
تُعَذّبُني أمّتي لا تُريدُ آل
حَياةَ وتَطْمَعُ في صَدِّ كِسْرَى
جُنِنْتُ. نَعَمْ حُقَّ لي أنْ أجَنَّ
مَعَ الدَّجْنِ ألْمَحُ في الأفْقِ بشْرَى
ويشبِّه الرباوي أطفال فلسطين، الذين انتفضوا متسلحين بالحجارة للوقوف في وجه الطغيان الإسرائيلي، بالأشجار التي تحمل في أفنانها النار والنور؛ بحيث ترمز النار إلى سلاح الحجارة الذي يحمله أبناء فلسطين المحتلة، على حين يرمز النور إلى التفاؤل والأمل بغدٍ أفضلَ. والعلاقة القائمة بينهما هي علاقة الوسيلة بالغاية؛ فالنار وسيلة للوصول إلى غاية منشودة، وهي تخليص فلسطين من براثن الاحتلال الصهيوني الذي لا يلتزم لا بمقررات "الأمم المتحدة" ولا بمقتضيات الضمير الإنساني. يقول الرباوي في قصيدته "العصافير تنتفض"؛ التي نظمها في الواحد والعشرين من فبراير 1988م، عقيب اندلاع الانتفاضة الأولى المباركة:[26] (الرمل)
ها هِيَ الأشْجارُ تلتفُّ هُنا، تحْمِلُ في أغْصانِها
الرُّعْبَ وتَْمْشي، تَحْمِلُ الأحْجارَ في أوْراقِها الخُضْرِ
وتَمْشي، تَحْمِل النّارَ وتمْشَي، النُّورَ، تَمْشي. هِيَ
ذي تدْنُو مِنَ القلْعَة فَجْراً. وعلى الأرْصادِ ها تُلْقي
سَحاباً مَعَ حَبّاتِ النَّدى تَدْخُلُ جَهْراً فإذا الأشْجارُ
أطْفالٌ، إذا الأطفالُ مِرانٌ، إذا المَرانُ أشْطانُ
دِلاءٍ في لِبانِ الأدْهَمِ المُغْتَصَبْ.
وقد أخذ هؤلاء الأطفال/ العصافير على عاتقهم مهمة الدفاع عن وطنهم، وإجْلاء المستعمِر، والسير على مَهْيَع الجهاد حتى النصر أو الشهادة. وهكذا، فهُم متمسكون بتربة وطنهم، متشبِّثون بفلسطينيتهم. ولم يرضوا بالانتزاح عن بلدهم الذي يبعث كل ما فيه على الغربة والمعاناة والعذاب المستمر:[27]
هُمْ جَميعاً بايَعُواْ فاجْتمَعُوا في أرْضِهِمْ، لمْ
يَتْرُكوها لبُغاثِ[28] الطَّيْر، لم يَنْسَحِبُوا، لمْ يَدْفَنُواْ
أمْواتَهُم في بَلدٍ غيرِ فِلَسْطينَ. هُو الفَتحُ أتَى يَنْشُرُ
أعْلامَ الهُدى. ها تَبْرُزُ الأرْضُ عَروساً تتَهادَى في
ثِيابٍ قُشُبْ.
ويدعو الرباوي أطفال فلسطين إلى الصمود والجهاد لطرْد الصهاينة الطغاة من أرض الله المقدسة. فهم الأمل والقوة التي تزلزل كيان بني صهيون. وإن الحجارة التي يتسلحون بها لَهِيَ أشدُّ وقْعاً من الخُطب والشعارات التنديدية التي يردِّدها وُلاة المسلمين باستمرار:[29]
أيُّها الأطفالُ يا زَهْرَ أراضِينا السَّليبَةْ،
أنْتمُ الطّيْرُ الأبَابيلُ التي أرْسَلَها الرَّحْمَنُ
تَرْمي عسْكَرَ الطّاغوتِ رَمْياً بالحِجارَةْ،
أنْتمُ الطّْيْرُ التي في زَمَن المَحْلِ
تَرُشُّ الرَّمْلَةَ العَطْشَى بأنْداءِ البِشارَةْ،
أنْتمُ الطَّيْرُ الأبابيلُ اقذِفُواْ
في رُكَبِ اللَّيْل الحِجارَةْ،
إنّها أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الشِّعْر وكُلِّ الكُتُبِ،
هِيَ إمّا قَصُرَتْ كان جِهاراً وَصْلُها خُطْواتِهِمْ،
ها أصْبَحَتْ تأخُذ حَقاً بالأنامِلْ،
قاتِلُوهُمْ واتْرُكوا جَدَّهُمُو في صََبَبِ.
وبخُصوص موقف العرب والمسلمين ممّا يحْدُث لشعب فلسطين المقهور على يد الصهاينة الذين يستخدمون مختلِف الوسائل لتهويد القدس، وطرد الفلسطينيين الأهالي من وطنهم، وبثّ جوّ الاضطراب والاغتراب والرعب بين صفوفهم… فإنه "شكلي" مَرن يقتصر على التنديد الذي لا يُجْدي مع الصهاينة شيئاً. يقول الرباوي:[30]
قاتِلُوهُمْ.. قاتِلوا صُفْرَ العَمَائِمِ،
قاتِلوهمْ.. نَحْنُ مَعَكُم مِنْ كَراسِينا نُقاتِلْ،
نَحْنُ مِنْ شاشَتِنا ذُقنا قليلاً
مِن تجاويفِ العِذاباتِ التي تَسْكُنُكُمْ،
ذُقنا قليلاً منْ مَآسِيكُمْ،
قليلاً مِنْ شَجَاكُمْ،
فَرَمَيْنا مِنْ كَراسينا الأعادِي بالقَنَابلْ.
ويعبر الرباوي أبلغ تعبير عن تقاعُس المسلمين عن نُصرة إخوانهم في فلسطين قائلاً:[31]
أيُّها الأطفالُ يا سِرْبَ سَنابِلْ،
أيُّها الأطفالُ يا زَهْرَ أراضينَا الحَبيبَةْ،
يَوْمُكمْ هذا ثِقافٌ، غَدُكُمْ أيْضاً ثِقاف،ٌ يَوْمُنا
نَحْنُ قَحافٌ، فأضعْناكُم صِغاراً، ثمَّ حَمَلْتُمْ كِباراً ثِقلَ
ما يَنْزفُ منْ أجْسادِنا المُرْتَبِكَةْ.
نحْنُ يا زَهْرَ أراضينا تَخَلَّفْنا ولمْ نُسْرِجْ جِيَاداً،
لمْ نُسافرْ في تَضاريسِ الجِراحاتِ التي تُزْهِرُ في
أفْئِدَةِ الأشْجار جَهْراً. نحْنُ ضَيَّعْنا بِلاداً. نَحْنُ
لمْ نُسْرِجْ جِيَاداً. نحنُ لمْ نُرْسِلْ دِمَاءً.
لقد نسي المسلم أخاه الفلسطينيّ الذي يتألم ويعاني الاغتراب في بلده الحبيب باستمرار في انتظار انبثاق ضوء الفجر من عتمة الليل القاسي والمتطاول. ولم يعد المسلم بمثابة ذلك العُضو من الجسم الذي "إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَتْ لهُ سائِرُ الأعْضاءِ بالسَّهَرِ والحُمَّى"؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم… وهكذا صار المسلم اليومَ يهتم بمشاكله ومشاغله الخاصة متناسياً ما يحدُث لإخوانه المسلمين في مواطنَ عدةٍ من أمتنا. يقول الرباوي:[32]
نحْنُ في كُلِّ
صَلاةٍ قدْ دَعَوْنا.. ورََجَوْنا الغَيْثَ، لكنّا نَسِيناكُم جَميعاً
في دُعانا؛ شَغَلَتْنا عنْ أراضيكُم أراضينا، وعَنْ كُلِّ
أهاليكُم أهالينَا، وعَنْكُم يا أحِبّانَا شُغِلْنا بكَراسِينا
التي نَحْتلُّها في البَرْلَمَانْ.
وكان من الطبيعي أن يتحسَّر الرباوي على هذا الوضع القاتم، وأن يشعر بالغربة والعذاب النفسي المؤلم. ومن ثم، فهو لا يملك إلا البكاء والتأسف وطلب الغفران لأمتنا التي ركنت إلى الراحة واللهو تاركةً المجالَ للآلة الصهْيونية والغربية كي تصنع ما تشاء بالمسلمين:[33]
شَغَلتْنا عنْكُمُو أنْفُسُنا،
شَغَلَتْنا عَنْكُمُو أوْلادُنا،
فاسْتَغْفِروا اللهَ لنا،
اِسْتَغْفِروا اللهَ لنا.
لقد اقتصرنا في هذه المقالة على حديث الرباوي عن آلام ومعاناة وغربة أبناء فلسطين فوق ثرى بلدهم الذي يعاني الحصار والقمع، وتعبث به ريحُ التغريب والتهديد صباح مساء. والذي يتصفح باقي أشعار الرجل يجد فيها تعبيرا صادقا وجادّا عن مآسي وأحزان الأمة الإسلامية ككل، وفي بقاع مختلفة منها.
ويمكن أن نخرج من هذا البحث ببعض الملاحظات، كالتالي:
* إن ثيمة الغربة والمعاناة تبرز بوضوح في شعر محمد علي الرباوي، ذلك بأن الشاعر قد اكتوى بلهيب هذه الغربة تحت سماء وطنه العزيز. ثم إن حال أمتنا في الوقت الراهن يقود إلى الإحساس الحتمي بالاغتراب والضياع.
* وارتباطاً بالثيمة المذكورة، يبرز معجم الحزن والأسى في شعر الرباوي نفسِه؛ لأن الرجل يعيش عصره، ويعاين آلام وآمال أمته التي أمْست مَهِيضَة الجناح في الزمن الحاضر. وعليه، فقد كان من الطبيعي أن يشعُر الشاعر بالحزن. يقول الدكتور عبد العزيز المقالح في تسْويغ بروز هذا المعجم في الشعر المعاصر: "لمّا كان الفرحُ في عالمنا العربي، وفي تاريخنا العربي، قليلاً، فإن حديث الشعراء عن أحزانهم وتسجيل مشاعر الإحباط والألم هو الطابع السائد والصدى الحقيقي للواقع الكئيب".[34]
* تحضر "الذاتية" بوضوح في شعر الرباوي؛ لأن هذا الشعر يصدر عن ذات وبَعد معاناة. وهذا ما يعطي له صفة "الصدق" التي تفتقر إليها أغلبية القصائد الشعرية المعاصرة. يقول الرباوي: "أومِنُ أن الشعر إذا خلا من عنصر الذات سقط. لهذا تجد عنصر الذات في كلِّ شعري حتى تلك الأشعار التي يبدو فيها الطابع الموضوعي واضحاً، ذلك أني لا أكتب إلا بعد معاناة. والمعاناة هي البوتقة التي تنصهر فيها الذات".[35]
* لقد خدم الجانب الشكلي والجمالي في الأشعار المحلَّلة في هذا البحث موضوع الاغتراب والمعاناة. حيث وجدْنا الشاعر يُكثر من استخدام المتدارك/ الخبب بوصفه نسقا نغميا مناسباً لاحتضان المشاعر الحزينة. كما أن اللغة الشعرية جاءت ملائمة لغرض الغربة… ومن الضروري أن نشير إلى أن النقاد والدارسين قد أسالوا حِبْراً غزيراً في الحديث عن ثنائية (الشكل ≠ المضمون)، وعن طبيعة العلاقة الجامعة بين الجانبين، فظهرت كتابات نقدية من الوفرة بمكانٍ حول الشكل ومقوماته وبلاغته… وظهرت أخرى حول المضمون ورسالته وتأثيره… والحق أنه لا يمكن الفصل بين الشكل والمضمون؛ ذلك بأننا لا نستطيع تصوُّر شكل بمعزل عن المضمون، ولا مضمون بمعزل عن الشكل. إنهما متلازمان، ويمثلان وجهين لعملة واحدة. ولا سبيل إلى الفصل بينهما إلا لغرض الدراسة والمُقاربة!
** باحث من المغرب.
[1] - الرباوي: الأعشاب البرية، من منشورات المشكاة (وجدة)، ط1 (1985)، ص ص 36-37.
[2] - نفسه، ص 37.
[3] - نفسه، ص40.
[4] - الرباوي: أول الغيث، من منشورات المشكاة (وجدة)، ط.1 (1995)، ص42.
[5] - الرباوي: الأعشاب البرية، ص ص: 11- 12.
[6] - الرباوي: الأحجار الفوّارة، المطبعة المركزية (وجدة)، ط.1 (يناير 1991)، ص15.
[7] - الرباوي: أطباق جهنم، المطبعة المركزية (وجدة)، ط.1 (1988)، ص35.
[8] - نفسه، ص41.
[9] - الرباوي: الرمانة الحجرية، المطبعة المركزية (وجدة)، ط.1 (1988)، ص50.
[10] - ديوان الانتفاضة، من منشورات "المشكاة"، ع. 34/35، 2001، ص41.
[11] - الرباوي: الرمانة الحجرية. ص: 14.
[12] - الرباوي: الرمانة الحجرية، ص ص: 6-7.
[13] - العلم الثقافي (الملحق الثقافي لجريدة "العلم"؛ اللسان الناطق باسم "حزب الاستقلال" بالمغرب)، س. 32، السبت 15/12/2001، ص5.
[14] - الرباوي: الأحجار الفوارة، ص: 87. والقصيدة منشورة أيضاً في صحيفة "أَوَارْ"، ع.1، نونبر 2001، ص12.
[15] - الرباوي: الأحجار الفوارة، ص88.
[16] - نفسه، ص: 89.
[17] - الرباوي: الأعشاب البرية، ص40.
[18] - فاطمة طحطح: الغربة والحنين في الشعر الأندلسي، مطبعة النجاح الجديدة (الدار البيضاء)، ط.1 (1993)، ص201.
[19] - الرباوي: الأعشاب البرية، ص ص 34-35.
[20] - أقصد به، هنا، المدن المغربية خاصة.
[21] - الرباوي: أول الغيث، ص16.
[22] - الرباوي: أول الغيث، ص16.
[23] - العلم الثقافي، س.32، 12/01/2002، ص7.
[24] - عز الدين إسماعيل: "الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، دار العودة (بيروت)، ط.3 (1981)، ص331.
[25] - ديوان الانتفاضة، ص42.
[26] - الرباوي: الولد المر، المطبعة المركزية (وجدة)، ط.1 (1989)، ص52.
[27] - نفسه، ص53.
[28] - البغاث: (بتثليث الباء) صغار الطير. ومنه المثل: "إن البغاث بأرضنا يستنسر".
[29] - الرباوي: الولد المر، ص54.
[30] - نفسه، ص55.
[31] - نفسه، ص56.
[32] - الرباوي: الولد المر، ص ص 56-57.
[33] - نفسه، ص57.
[34] - د. عبد العزيز المقالح: الشعر بين الرؤيا والتشكيل، دار العودة (بيروت)، ط1 (1981)، ص 26، بتصرف.
[35] - مجلة "المشكاة"، وجدة، ع.12، س.3، 1990، ص99.
المراجع
الموسوعة الالكترونية العربية
التصانيف
شعر شعراء أدب ملاحم شعرية