أَكثرُ من مائِةِ سوريٍّ قضوا في أَقلَّ من نهارين، برصاصِ رجالِ الأَمن، ورصاص مندسّين ومُخربين تصديقاً للكلامِ إِيّاه، بعد ساعاتٍ من إِنهاءِ حالةِ الطوارئ في بلدِهم، ما يعني أَنَّ القصةَ في سورية ليست في بقاءِ تلك الحالة أَو رفعِها، ولا في الحديثِ الفلكلوريِّ عن نيةِ السلطةِ إِحداثَ الإِصلاح، أَو انزواءَه ليتجدَّدَ في مواسم أُخرى. إِنَّها، بالضبط، في البنيةِ الأَمنيَّةِ التي تُمسك بدواليبِ النظام هناك، ويرى المتحكمون في مفاصِلها أَنَّهم وحدَهم أَصحابُ الأَهليّةِ في صياغةِ العلاقةِ بين الشعب والسلطة، فكما أَنَّ من صلاحياتِ ضابطِ أَمنٍ كبيرٍ من هؤلاءِ إِعفاء رئيسةِ تحرير «تشرين»، السيدة البعثيّة سميرة المسالمة، بمكالمةٍ هاتفيةٍ معها، فمن صلاحياتِ المؤسسةِ التي ينتسبُ إِليها التصرَّفُ بالكيفيةِ التي تراها الأَنسبَ في التعاملِ مع جموعِ المتظاهرين في عمومِ محافظات سوريّة، فلا تجدُ غيرَ الرصاصِ أَنفع، وإِنْ أَمرَ الرئيس بشار الأَسد بغير ذلك قبل يومٍ من إِزهاقِ أَرواحِ شهداءِ يوم الجمعة الماضية، ثم إِلحاقِ بعضِ مشيعيهم بهم في اليوم التالي. وإِذا جازت المحاجَجةُ، ولو تصريفاً لسأْمٍ مُؤْسٍ، مع حدّوتتيْ المندسّين والسلفيين الذين يُصَوبون الرصاصَ على الناس والعسكر، فذلك مبعثُ عجبٍ مُضاعف، فالأَجهزةُ السورية إِياها عظيمةُ البراعة في اليقظةِ، إِياها أَيضاً، ومفزعٌ أَنْ لا تقدرَ على معرفةِ مسلحين في وسعِهم أَن يندسّوا بين الناس، ويقتلوا كما يشاءون، ثم يأَمنوا.

بلا تأْتأْةٍ ولعثمةٍ، لم يعد من الأَخلاق أَنْ يصمتَ الذين ُيدْمنون نصرةَ سوريا في وجه «المؤامرات الخارجية»، سيّما وأَنَّه مضجرٌ في أَحيانٍ كثيرةٍ دأْبُهم على مديحِ «ممانعةِ» دمشق أَمام المشروع الصهيوأَميركي في المنطقة. ولأَنَّ الوقت ليس لاستدعاءِ وقائعَ غزيرةٍ في أَرشيفٍ طويلِ تُقوِّض الأُزعومةَ هذه، ولأَنَّه أَيضاً ليس للبحثِ عبثاً عن واقعةٍ واحدةٍ لمواجهةٍ سوريةٍ واحدة، بالرصاصِ أَو غيرِه، لاعتداءاتٍ إِسرائيليةٍ معلومةِ التفاصيل في وسط دمشق وسمائِها وفي دير الزور، فالأَولويةُ هنا لدعوةِ السلطاتِ هناك إِلى أَنْ تُصبِحَ إِصلاحيةً هذه المرة، وتعلنَ بالضبط أَعدادَ رعاياها ممن قضوا بكل هذا الرصاص في الأَيامِ الماضية، وتستعجل تحقيقاتٍ في هذا التقتيل تخلصُ إِلى نتائجَ موثوقة. ثمّة أَولويةُ لهذا الأَمر العاجل، لأَنَّ تلقينا الأَعدادَ المتواليةِ للضحايا (ماذا عن الجرحى والمفقودين؟) من شهودِ عيانٍ ومصادرَ حقوقيةٍ، تنقلُ عنها الفضائياتُ ووكالات الأَنباء، يُؤَشِّر إِلى استرخاصٍ مضاعفٍ لدى الحكم في دمشق بأَرواح هؤلاءِ البشر. يُطلَبُ هذا الأَمر، وفي البالِ أَنَّ تحقيقاً بشأْن قتلِ عماد مغنية لم يتمَّ إِشهارُ نتائجَ له، تسليماً، ربما، ببديهيةِ أَنَّ إِسرائيلَ ارتكبت الجريمة، أَمّا كيفَ وبأيِّ أَدلةٍ وأَصابع فذلك ليس من حقِّ الناس أَنْ تعرفه. ويُطلبُ، وفي البال أَنّه ما زال في محله قولُ غوار الطوشة لأَبو نارة في «ضيعة تشرين»، قبل 37 عاماً، أَنْ يفتحَ على إِذاعةِ لندن ليعرف ما يجري في الضيعة.

هي لحظةُ إِشهار القولِ للأَعور أَنَّه أَعور، فبلا لفٍّ ودوران، وبإِيجاز عاجلٍ على بلاطة، هناك ما لا يجوزُ الصمتُ عنه، في سوريا التي يجهرُ مواطنوها باحتياجِهم إِلى الحريةِ والكرامة، وترفضُ لافتاتٌ يرفعونَها «الذلّ». وهذه مفردةٌ شديدةُ الإِيلام في بلدٍ ينسبُ النظامُ فيه إِلى نفسِهِ فرادةً لا يُشاركهُ فيها أَحدٌ في التصدّي لإِسرائيل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور