اكتمال عامٍ على الاعتداءِ الإِسرائيلي الوحشي في البحر على الآمنين، مناصري فلسطينيي قطاع غزة المحاصرين، في سفينةِ مرمرة التركية، يُذَكِّر بأَنَّ العصابة الحاكمة في تل أَبيب لم تُعاقَب على جريمتِها تلك، ولم تُقدِّم الاعتذار والتعويض اللذيْن طالبت بهما أَنقرة، ولم تستجبْ لمطلب إِجراءِ تحقيقٍ دوليٍّ في الواقعةِ التي قضى فيها تسعةُ أَتراك، بل كرَّمت ضباطَ الجيش الإسرائيلي وجنودَه الذين اقترفوا فِعلتَهم تلك، وأَشهرت للعالم وصفَهم أَبطالاً. وعلى ما كانت عليه الغضبةُ التركية، في تصريحات طيب أَردوغان خصوصاً، من انفعالاتٍ مُسوَّغَة، فإِنَّ أَنقرة لم تَقْدِر على أَنْ تفعل شيئاً، باستثناءِ تخفيضِ اتصالاتِها السياسية مع تل أَبيب، واستدعاءِ سفيرها، مع بقاءِ العلاقات الاقتصاديةِ والعسكريةِ على مستواها، كما قرأْنا. وبدا أَنَّ إِسرائيل على الرغم من حرصِها على علاقاتٍ حسنةٍ ومتطورةٍ مع تركيا، تؤكِّد للعالم، بدعاوى أَمنها المزعومة، أَنَّ في مقدورِها أَنْ تتكيَّف مع علاقاتٍ عاديةٍ مع هذا البلد المركزيِّ في الإقليم، تُشوشُها تصريحاتٌ خطابيةٌ وغاضبةٌ للإعلام.

إِذا كانت إِسرائيل أَحدثت تلك الواقعة، بتفاصيلِها المعلومة، مع تركيا التي تُقيم معها علاقاتٍ دبلوماسيةً وتجاريةً كاملة، وتعاوناً عسكرياً ممتازاً أَحياناً، ما الذي يمنع عصابة تل أَبيب عن أَنْ لا تَقترفَ جريمةَ قتلِ عشرين سورياً وفلسطينياً قدموا إِلى الجولان في ذكرى احتلال الهضبة، وقبل ذلك، قتل أَربعةٍ في ذكرى النكبة التي شهدت أَيضا قتل الجيش الإِسرائيلي 12 فلسطينيا في داخل بلدةِ مارون الراس اللبنانية. ليس ثمَّةَ ما هو أَيسرُ لدى حكام إِسرائيل، أَياً كانت مواصفاتُهم الحزبية، من استسهالِ استخدام الرصاص ضد العرب الأَغيار، لإِشاعةِ مناعةِ الدولةِ العبرية أَمام ما قد يَخدِشُ حدودَها وأَمنَها وأَمنَ جنودِها وناسِها. يرتكبون هذه الجرائم، وغيرَها، وهم على طمأْنينتِهم أَنَّ شيئاً لن يحدثَ من جانبِ سورية ولبنان، وأَنَّ إِعلان الاتحاد الأُوروبي قلقَه من مثلِ هذه الحوادث لا يستحقُّ الالتفاتَ إِليه، وأَنَّ إِسنادَ واشنطن هذه الجرائم مؤَكد، كما دلَّ عليه إِشهارُها، أَول من أَمس، أَنَّ دمشق هي التي تَتحمّل المسؤوليةَ في سقوط القتلى الأَحد الماضي عند الجولان، لأَنها التي دبَّرت وصولهم إِلى هناك.

إِنها الحقيقةُ الأَوضح في واحدةٍ من وجوهها، وهي أَنَّ الامتناعَ عن ردعِ إِسرائيل، والخوفَ منها، وحسابَ أَلف حساب لردود فعلها، أَسبابٌ تجعلها على صلفها المتمادي هذا، وكان من مظاهره مثلاً، أَنها طلبت قبل شهور أَنْ يقطع جنودُها بأَنفسِهم شجرةً في الأَراضي اللبنانية المحاذيةِ للحدود الجنوبية، قالت إِنها تُعيق مراقبةَ مناظيرِها ما تريدُ مراقبَته، وحاولت «يونيفيل» هناك إِقناعَها بأَنَّ جنوداً من القوة الدولية المتواجدين في المكان يُمكنهم القيامَ بذلك، فلم ترضَ إِسرائيل، وعمدت إِلى الاستفزازِ العسكريِّ في حينه، فردَّ الجيش اللبناني، وصرع ضابطين إِسرائيليين، غير أَنَّ عسكريين منها قطعوا الشجرةَ في اليوم التالي، كما أَرادَت، وبدا أَنَّها في تلك الواقعة أَرادت إِبلاغَ لبنان تحديداً أَنَّ كلمتَها لا تصيرُ اثنتين.

لا تقصدُ هذه الإِحالات الترويجَ للإحساسِ المتوطِّن بالهزيمةِ في الذكرى الحزيرانية الراهنة، بل التأْشير إِلى البديهيِّ، وموجزُه أَنَّ إِسرائيلَ تفرعنتْ كثيراً في غير محطةٍ وجائحةٍ طوال عقود ما بعد نكبة 48، لأَنها تمكنت من لملمةِ كلِّ عناصر القوة العسكريَّةِ لديها، واعتبرت السلاحَ أَولويَّتَها التي تتقدَّمُ على أَيِّ اعتبار، فيما هو لدى خصومِها العرب، وغيرِهم، يسبقُه كلُّ اعتبار.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور