سنكون أَمام مشهدٍ فضائحيٍّ فلسطينيٍّ جديد ومثير، إِذا فعلها محمد دحلان، ونَشَرَ وثائقَ غيرَ هيِّنةِ الأَهمية، يقول إِنها لديه، تُدينُ قياداتٍ مهمةً في حركةِ فتح، في معرضِ تصديه لقرارِ اللجنةِ المركزيةِ للحركةِ فصلَه منها، وتوصيتِها بطردِه من "فتح" كلها، واتهامِه بالفسادِ والقتل. وقبل ذلك وبعده، نحن أَمام زوبعةٍ من التساؤلاتِ بشأْن المسألةِ كلها، أَولها عن السببِ الذي جعل اللجنةَ المذكورةَ تفطنُ لفعالِ الرجل بعد هذه السنوات، ما يجعلُه وجيهاً الذهابُ إِلى أَن الذي صار ما صار لولا أَنَّ دحلان أَرسلَ رسالة إِلى اللجنة، يحملُ فيها على الرئيس محمود عباس ويسأَلُه بشأْنِ ذِمَّته الماليةِ ويُحملُه مسؤوليةَ "الهزائم" التي لحقت بحركة فتح في الانتخابات التشريعية والبلدية. وجاءَت الرسالةُ في أَجواء تُبدِّد الصحبةَ بين الرجلين، وكانا حليفين عضوضين، وفي البال أَنَّ عباس لما صار رئيسَ حكومةٍ أَراد دحلان وزيراً للأمن معه، رفض الراحل ياسر عرفات في حينِه، ثم وافقَ تحت إِلحاح عباس وبعد ضغوطٍ خارجية. وفي محلِّه ذهابُ زملاءَ معلقين إِلى أَنَّ أَزمةً جوهريةً في حركة فتح نفسِها تؤشر إليها قصة دحلان كلها، منذ بدءِ صعودِ نجمِه في مطالع التسعينيات، وتأْسيسِه جهازَ الأَمن الوقائي، وصولاً إِلى ما نسمعُ ونقرأ، الصحيح وغير الصحيح، عن تضخُّم ثروة الرجل وممتلكاتِه واستثماراتِه في غير بلد، وعن نفوذٍ له غيرِ قليل في قطاع غزة، وعن صلاتِه وصداقاتِه الخارجيةِ المتينة.

فعلاً، ظلَّ الشاب محمد دحلان (مواليد 1961) يصعد، برعاية ياسر عرفات ومحمود عباس، في مراتب النفوذ والقرار الفلسطيني، بكيفيةٍ استثارت الدهشةَ والاستهجانَ معاً، مع التسليم بملكاتِه الفرديةِ والشخصيةِ، على صعيد الحنكةِ والشطارةِ والخطابةِ والبراعةِ في نسج التحالفات والإِمساكِ بخيوطٍ وفيرةٍ في وقتٍ واحد، وهو الذي تجرَّأَ غيرَ مرَّةٍ على مخاصمةِ ياسر عرفات، وشاعَ أَنَّه يطمحُ إلى وراثةِ الرئاسةِ الفلسطينيةِ بعده. وهنا، يحسنُ أَنْ نتذكَّرَ أَنَّ الرجلَ فاز في انتخابات المجلس التشريعي (الراهن إِلى حين ميسرة) بأَعلى الأَصواتِ الفتحاويةِ في محافظة خان يونس في قطاع غزة، فيما رسبَ في تلك الانتخاباتِ التي كان فيها فوزُ حركة حماس مُؤزراً فتحاويون تاريخيون. ولنتذكرْ، أَيضاً، أَنَّ محمد دحلان فاز بعضويةِ اللجنة المركزية، في المؤتمر العام السادس لحركةِ فتح، قبل عامين في بيت لحم، بأَصواتٍ مقدرةٍ، ولم تفلح في ذلك شخصياتٌ فتحاويةٌ عتيدة، بل أَوصل دحلان إِلى عضويةِ اللجنةِ القياديةِ هذه بعض من صوَّتوا الأُسبوع الماضي مع فصلِه منها.

محمد دحلان الأَسير السابق لدى الاحتلال الإِسرائيلي خمس سنوات، وطالبُ التربية الرياضية في القاهرة، والذي عدّهُ جورج بوش "قائداً جيداً وصلباً"، إِبانَ حصار ياسر عرفات والهمَّةِ العاليةِ في التنسيق الأَمني مع إِسرائيل، ظاهرةٌ غيرُ طيبةٍ في حركة فتح، وليس الوحيد هذا، عنوانُها الصعودُ النافذُ في الحركة، وفي صدارةِ المشهد الفلسطينيِّ تالياً، بكيفياتٍ تُزاوجُ بين الولاءِ للقيادةِ وسلطتي الأَمن والمال، مع الارتكاز في الوقت نفسِه إِلى قاعدةٍ من الشعبيةِ الحاراتيةِ والمناطقية، بدليلِ أَنَّ أَنصارَ دحلان في غزة غيرُ قليلين، ومنهم من يتعصَّبون له، لِغَزَّيتِه وليس لشيءٍ آخر. وإِذا ما فلتَ من ورطتِه الحاليةِ، العويصةِ على أَيِّ حال له ولخصومِه الجدد، وإِذا نجا من حكايةِ اتهامِه بالفسادِ والقتل، فإِنَّه في ذلك سُيدَلِّلُ على أَنه بسبعة أَرواح، ... ننتظرْ لنرى.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور