سارعَ زملاءُ معلقون في صحفٍ أُردنيةٍ وعربيةٍ، عقب تسليم المحكمةِ ذاتِ الطابع الدولي الخاصّةِ بلبنان الجهةَ المختصة في بيروت ملفي الإِدّعاءِ والقرارِ الاتهاميِّ بشأنِ اغتيال رفيق الحريري (ومعه 12 لبنانياً آخر)، سارعوا إلى ترديدِ أَنَّ المحكمةَ أَميركيةٌ إِسرائيليةٌ مُسَيَّسة، من دون أَنْ يتريثوا، ويَتفحّصوا الحيثياتِ والمضبوطاتِ والأَدلةِ التي تضمَّنَها ملفُ الإِدعاءِ على الأَربعةِ المتهمين بارتكابِ الجريمةِ في 860 صفحة، استُمدَّ منها القرارُ الاتهاميُّ في 80 صفحة.

كان كافياً لزملائِنا أَنَّ السيد حسن نصرالله هو من قال ذلك، وأَنَّ المحكمةَ ما كانت إِلا لإِحداثِ فتنةٍ في لبنان، وهو كلامٌ يتجرَّأُ، خبطَ عشواءَ، على قضاةِ المحكمةِ، فيتَّهمُهم بأَنَّهم دمىً لدى تل أبيب وواشنطن، وبينهم ثلاثةٌ لبنانيين، كان أَحدُهم عضواً في المجلسِ العدليِّ الذي حكمَ بسجن سمير جعجع. ويتطاول هذا الكلامُ على رئيس المحكمةِ، الإيطالي أنطونيو كاسيزي الذي لاحق المافيا في بلادِه، وكان أَولَ رئيسٍ للمحكمةِ الجزائيةِ الدولية، وترأَسَ المحكمةَ الخاصةَ بيوغوسلافيا. ويستهين الاتهامُ الذي استسهلَ نصرالله تكرارَه، أَول أَمس، بجهودِ عشراتِ الخبراءِ في التحقيقِ وفي إِجراءاتِ بناءِ أَدلةِ الإدّعاءِ والاتهام، وقد استمعوا في خمسِ سنواتٍ إِلى نحو أَربعمائةِ شاهد، أَقنعنا خصوم المحكمة بأَن أَربعةً منهم شهودُ زور، صبَّت أَكاذيبُهم ضد سوريا، فيما نحنُ الآنَ أَمام اتهام أَربعةٍ من حزبِ الله.

لم تكن المحكمةُ قد قامت حين سجنَ القضاءُ اللبنانيُّ إياه الضباطَ الأَربعة، لكنها التي أَمرَت، لاحقاً بالإِفراج عنهم، لعدم كفايةِ الأَدلةِ على تورطهم باغتيالِ الحريري، ما يعني أَنَّ هذه المحكمة التي لم نعرفْ بعدُ خيرَها من شرِّها هي التي أَنصفتْ خصومَها. ولا تُساقُ هذه الإحالةُ بشأنِ المحكمةِ، الموصوفةِ بأَنَّها ما قامت إِلا للتآمرِ على المقاومةِ في لبنان، للدفاع عنها، بل من بابِ التأَنّي في الحكمِ عليها، وانتظار ما ستُشهرُه من قرائنَ وأَدلةٍ على المتهمين الأَربعة، فقد تكون مقنعةً ومتماسكة. وإذا لم تكن كذلك، يصبح ميسوراً لزملائنا المولعين بخرّافيةِ انشغالِ العالم بالتآمرِ على حزبِ الله قولُ كلامهم إِيّاه.

لا يجيزُ التقديرُ الواجبُ لمجاهدي حزبِ الله وبطولاتِهم في مواجهةِ العدو الإسرائيليِّ التسليمَ الأعمى بأَنَّ كل عناصر الحزب وقيادييه ملائِكة. وإِذ أَعلن نصر الله، قبل أَيام، أَن المخابرات الأميركية جنَّدت ثلاثة منهم، فذلك يُدلِّل على أَن احتمال تورط أربعةٍ من الحزب في قتل رفيق الحريري وارد. وكما أَشهرَ نصرالله، قبل شهور، ما اعتبرهما قرينتين على الاشتباهِ بارتكابِ إِسرائيل تلك الجريمة، فإِنَّ قرائنَ أُخرى تسوقُ إلى اتهام غير إِسرائيل التي ليس في لبنان ما هو أَسهلُ من تلبيسِها أَيَّ شيء، ولا أَسهلُ من التخفُّفِ من أَيِّ مسؤوليةٍ في البحثِ عن العدالةِ والحقيقة في الاغتيالاتِ المعتادة هناك. ولأَنَّ الأمرَ كذلك، ولأَنَّ ما من تحقيقٍ لبنانيٍّ توصلَ إِلى قتلةِ كمال جنبلاط ومهدي عامل وصبحي الصالح ورينيه معوض وإِيلي حبيقة، ثم جورج حاوي وأَنطوان غانم وجبران تويني، وغيرهم، ولأَنَ ما من محكمةٍ لبنانيةٍ قضت بالقصاص لهؤلاء، كان اللجوءُ إِلى محكمةٍ وتحقيقٍ دوليين بشأْنِ اغتيال الحريري ورفاقه. ثمَّة من يريدُ أَنْ يصدَّ هذه المحاولةِ، وينهي القصةَ برميِ المسأَلةَِ على إِسرائيل، كما صار مع عماد مغنية الذي أَبلغونا أَنَّ إِسرائيل قتلته، فلا مدعاةَ إِلى تحقيقٍ أَو أيٍّ من بدعِ البحثِ عن الحقيقةِ والعدالة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور