يُغايِرُ موسمُ الدراما التلفزيونية في شهر رمضان الذي هلَّ اليوم مواسمَ السنواتِ السابقة، وكان من معالِمِها التنافسُ بين النتاجيْن المصري والسوري، فأَنْ يتوعَّدَ معارضون سوريون النظامَ في بلادِهم بأَنْ تكون الأَنشطةُ الاحتجاجيةُ التي تُطالب بسقوطِه، في الشهرِ الفضيل، نوعيَّةً، وأَنْ تزدادَ مساحاتُ التَّوتر بين قوىً مهمَّةٍ في الخريطةِ السياسيةِ المصريةِ المستجدّة، والمتوقع أَنْ يكونَ رمضانُ فضاءً اجتماعياً لبعضِ هذه القوى، فهذا وذاك يعنيان أَنّنا سنكونُ في الشهرِ الكريمِ أَمامَ مسلسلين لا يتنافسان. السوريُّ دامٍ وربما مخيف، فعملياتُ القتلِ والتنكيل والاختطاف توازت، في اليومين الماضيين، مع استباحةِ الدبّابات مدناً وقرىً وأَريافاً ونواحٍ، ما ينذرُ بأَنَّ السلطةَ هناك لن تتورَّعَ عن ارتكابِ ما يعنُّ لها من عسفٍ وتمويت، من دون احترامِ وداعةِ أَجواءِ رمضان. أَما المسلسلُ المصريُّ، وعلى ما فيه من حدَّةٍ في بعض الوقائعِ الكلامية، فإنه ليس مقلقاً، والحمد لله، فالتعاقدُ قائمٌ هناك على سلميَّةِ كلِّ احتجاج، وعلى حضاريّةِ كلِّ نقاشٍ وجدل، وكل اختلافٍ وخلاف، وكذا التزام الجيش والأَمن بتفادي أَيِّ استخدامٍ للرصاصِ الحيِّ في التعاملِ مع أَيِّ جموعٍ أَو حشود، أَياً كانت هتافاتُها ومطالباتُها.
لا تنافسَ في موسم الدراما الرمضانيِّ الراهن بين منتوجي المصريين والسوريين، وقد تناقصا عن العام الماضي، وربما لا يتوفَّر المزاجُ الشعبيُّ العربيُّ العام على حالٍ ينكبُّ فيه على متابعةٍ دؤوبةٍ لمسلسلاتهما، وبعضُها جميلٌ على ما قرأنا، بالوتيرةِ نفسِها في مواسمَ سابقة، فسوريا بعد صلواتِ التراويح ستكونُ على موعدٍ يوميٍّ مختلف، سننجذبُ، في الأُردن وعموم البلاد العربية، إِلى متابعتِه، وهذا أَضعفُ الإِيمان في نصرةِ أَحبائِنا السوريين. ويحسنُ أن لا يأخذَنا شغفُنا بأَعمالٍ تلفزيونيةٍ سوريةٍ مهمةٍ في الأعوامِ السابقةِ إِلى التغافلِ عن وجوبِ هذه النصرة، أَقلهُ بمعرفةِ ما سيجترحُه الشعبُ السوريُّ الأَعزل من إِعجازٍ بطوليٍّ واستثنائي، في ليالي رمضان وعشيّاتِه، في مواجهةِ العسفِ العسكريِّ المريع اليومي، وكان منه ما ذاقَه أَهالي حماة، أَمس، حماهم الله وهم يتوسّلون رحمتَه، ويبتهلون إِليه في استقبالِ شهر الصوم والمحبّة.
حدثَ، قبل شهورٍ من اشتعالِ الثورةِ الشعبيةِ على نظامه العائلي، أَنَّ الرئيس بشار الأَسد تحدَّثَ، أَمام ممثلين وفنانين ومنتجين سوريين في ضيافتِه، عن «دورٍ للدراما السوريةِ في مواجهةِ الغزو الثقافي»، ووصفَ الإِنتاجَ الدراميَّ في بلادِه، بأَنَّه «ثروةٌ وطنيةً يجبُ الحفاظُ عليها وتطويرُها». يُستدعى ذلك الكلام هنا في معرضِ التنديدِ الواجبِ بالغزو الذي تُباشرُه دباباتٌ سوريةٌ في حماة وفي غير مدينةٍ وبلدةٍ وقرية، من أَوجبِ القول، دائماً، أَنْ يتمَّ التأكيدُ على اعتبارِ ناسِها الثروةَ الوطنيَّةَ الأَهم التي يجبُ الحفاظُ عليها وحمايتُها والارتقاءُ بعيشِها حرَّةً كريمة. ومن المفارقاتِ أَنَّ كلام الأَسد جاءَ بعد أَيامٍ فقط من كلامٍ لزميلِه حسني مبارك، عن دورٍ كبيرٍ للدراما المصريةِ في رفعةِ مصر وتعزيز مكانتِها الفكريةِ والثقافية، وعن قدرةِ المسلسلاتِ على التعبيرِ عن الشخصيّةِ المصرية. كان ذلك في استقبالِ مبارك نجومَ أعمالٍ مصريةٍ شهيرين، يُساهمون مع زملائِهم في صناعةٍ تُوفِّرُ عملاً مباشراً أَو غير مباشرٍ لنصفِ مليون مصري، فيما تُوفِّر الدراما السوريةُ وظائفَ لنحو 100 أَلف سوري. تضرَّرت أَعدادٌ من هؤلاءِ وأُولئك، بسببِ الثورةِ التي نجحت في مصر، والثورةِ التي يقترب نجاحُها في سوريا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور