يستحقُّ نداءُ زياد طارق عزيز الموجَّه، السبت الماضي، إِلى المجتمعِ الدوليِّ ومنظماتِ حقوق الإِنسان، من أَجلِ الضغطِ على الحكومةِ العراقيةِ لإِطلاق سراحِ والدِه «فوراً»، بسببِ تردّي حالتِه الصحيةِ وانعدامِ العنايةِ الطبيةِ به، يستحقُّ مؤازَرَتنا في الأُردن، ليس فقط من بابِ الواجبِ الأَخلاقيِّ والنزوعِ الإِنسانيِّ من أَجل رجلٍ طالما كانت مشاعرُه ومواقفُه بالغةَ التقدير لنا ولبلدنِا، بل، أَيضاً، لإِنقاذ هذا السياسيِّ الذي ما زالت غيرَ منسيةٍ نباهتُه البالغةُ وحيويّةُ أَدائِهِ في ظروفٍ شديدةِ الصعوبةِ مرَّ بها العراق، وكنّا قد طالعنا أَنه طلبَ من سجّانيه، ممن يظّنون أَنفسَهم حكاماً وأَصحابَ قرارٍ، أَنْ يُفرجوا عنه أَو يشنقوه، فلا يبقى في تعاسةِ محنتِه التي يُغالبُها في أَسرِهِ منذ أَزيدَ من سبعِ سنوات. وإِذا صحَّ ما أَوردَه زياد أَنَّ طبيباً لم يطَّلعْ على حالةِ والدِه الصحيةِ المتدهورةِ منذ عام، فذلك قد يعني أَنَّ جريمةَ اغتيالٍ تتمُّ بحقِّه، سيّما وأَنّه لم يعدْ يتحدَّث بوضوح، ويجد صعوبةً في التعرُّفِ على الناس.
يُحْجِم المسؤولون الراهنون في العراق عن توفيرِ الرعايةِ الطبيّةِ اللازمةِ لطارق عزيز، وهو في حالٍ بدنيٍّ ونفسيٍّ بائسٍ جداً، بحسبِ نجلِهِ الذي صَدقَ في اعتبارِه سلوكَ أُولئك الشائن انتقاماً، ونكونُ صادقين في التزامِنا مبدأَ العدالةِ حين ننشطُ في حملةٍ من أَجلِ أَنْ يستردَّ طارق عزيز حريتَه وعافيتَه. يستحقُّ هذا الرجل هذا منّا، وهو الذي كانت شجاعتُه رفيعةً، وكان سموُّ نفسِه راقياً، في مقابلةِ «الغارديان» معه، قبل شهور، حين لم يتوسَّل فيها الأَميركيين ولا «الذئاب» من السياسيين العراقيين في بغداد، بحسبِ نعتِه لهم، من أَجل الإِفراجِ عنه، ووصفَ باراك أوباما بأَنَّه منافق، وامتنعَ عن إِشهار أَخطاءَ قال إِنّها كانت لدى صدام حسين، ولن يتحدَّثَ عنها إِلا عندما يكونُ حرّاً، «لأَنَّ الحكمةَ جزءٌ من الحرية»، بل وصفَ الرئيس الراحل بأَنه «كان بانياً وقائداً، وسُيظهرُ التاريخُ أَنَّه خدَم العراق». ومن محبسِه الذي يُكابِدُ فيه مرارةً قاسية، يُعلن، في المقابلةِ نفسِها، أَنَّه نادمٌ على تسليمِ نفسِه للاحتلالِ الأَميركي بدل أَنْ يستشهد.
حين نُسانِد دعوةَ منظماتِ حقوقِ الإنسان لتضغطَ من أَجلِ إِنقاذ طارق عزيز، فإِننا، في الوقتِ نفسِه، نُؤشِّرُ إِلى بؤسٍ شنيعٍ يُعاني منه غيرُ طارق عزيز في سجونِ العراقِ، وكما أَنَّ هذا السياسيَّ الذكيَّ الذي عملَ مع رجلٍ صعب، بحسبِ جورج بوش (الأَب)، لم تتيسَّرْ له عدالةٌ في محاكمتِه، وتم الاستقواءُ عليه بإِصدارِ الأَحكام بسجنِه، فإِنَّ كثيرين غيرَه من محابيس «العراق الجديد» هم ضحايا نوازعِ الانتقامِ والتعصّبِ والتشفّي السقيمة. وإِذ لا شططَ في وصفِنا، هنا، هذا العراق بأَنّه ملعبٌ لتفاهةٍ واسعةٍ يرتكبُها سياسيون فاسدون وطائفيون ومرتهنون للخارج الإِيراني والأَميركي، فإِننا لا نصدُرُ في هذا الاجتهاد عن حنينٍ إِلى زمن صدّام، بل للتأشيرِ إِلى أَنَّ التعاملَ الفادح الرداءَة، مع طارق عزيز عليلاً، يُؤشِّرُ إِلى شيءٍ من هذه التفاهة، حيث لا فروسيَّةَ ولا احترامَ لآدميةِ هذا الرجل (وغيرِه). نشتهي نجاتَه ممّا هو فيه، واستعادتَه توقدَّه الذهنيَّ، ليدوِّنَ تجربتَه وذكرياتِه وشهادتَه على عبورِ العراق من زمنٍ إلى زمن، فنطالِعَها ونحاورَه بشأْنِها.. هو نداءٌ هنا من أَجل تذكِّر هذا الرجل، والقيامِ بأَيِّ جهدٍ ممكنٍ لإِنقاذِه وإِنهاء كُربةِ أَسرِه، شافاه الله وأَطالَ عمرَه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور