لم يتّخذ المجلس العسكري الحاكم في مصر إِجراءاتٍ تجاه إِسرائيل، تُناسبُ جريمةَ ارتكابِها قتل ضابطٍ وخمسةِ جنودٍ مصريين في منطقةٍ حدودية، اكتفى باحتجاجٍ دبلوماسي، وإِعلان أَنَّ تحقيقاً بدأَ في الحادثِ الذي أََسِفت إِسرائيل بشأْنِه، من دون أَنْ تُحمِّل نفسَها أَيَّ مسؤولية، وتعتذرَ على اقترافِ جنودِها الجريمة. ونحسبُ أَنَّ امتناعَ قيادةِ المجلس العسكري، وليس غيرها، عن إِشهار موقفٍ، كان منتظراً ربما، يتضمَّنُ خطواتٍ عمليةً تُشعِرُ تل أَبيب بشناعة فعلةِ جيشِها، ضاعفَ مقاديرَ الغضبِ الكبير في الشارع المصري، وجعلَ مطلب طرد سفير إِسرائيل من القاهرة يتقدَّمُ شعاراتِ مظاهراتِ الأَيام الماضية واعتصاماتِها، والذي قابَله أَهلُ الحكم بتشييد سورٍ لحمايةِ السفارة الإِسرائيليةِ مما توقَّعته السلطاتُ المصرية من تحركاتٍ شعبيةٍ غاضبةٍ من الجريمةِ، وأَيضاً من التعاطي الرسمي غير المقنع معها، والذي أَحدثَ تأَزُّماً جديداً بين قطاعٍ عريضٍ في الشارع المصري والسلطةِ العسكريةِ الانتقالية، دلَّت عليه جسارةُ المتظاهرين في «جمعةِ تصحيح المسار» في تحطيمِ السور المستجدّ حول سفارة إِسرائيل، ثم شجاعتُهم الباهرة في اقتحام السفارة، (ثلاثةُ طوابقَ في عمارة)، في عملٍ لا جدالَ في مخالفتِه القانون الدولي، وأَيضاً، في اتفاقِه التامّ مع مزاجِ الشعب المصري الرافض لوجودِ السفارةِ المذكورةِ في القاهرة.

دلَّ التعامل الأَمني العنيف، والمرتبك، مع واقعةِ الاقتحام، وقد قضى بسببِه ثلاثةٌ وأُصيب نحو أَلف، على حرجٍ شديدٍ لدى السلطة المصرية، عكسَه، أَيضاً، إِعلانُها أَنَّ محاكماتٍ ستتم للمسؤولين عن الواقعة التي قوبلت في الشارع العربيِّ بإِعجابٍ وبهجةٍ واسعتين. أَما إِسرائيل، فالبادي أَنها امتصَّت الضربة، وآثرت التصريحاتِ التقليديةَ عن «خطورة» الحادث، ولم تتجاوزها إِلى أَكثر منها، وذلك لحمايةِ العلاقات مع مصر من أن تتّسِعَ مساحاتُ التأَزم فيها. وتتيحُ «محدودية» ردّ الفعل الإسرائيلي درساً مهما أَمام المجلس العسكري، موجزُه أن حكومة دولة الاحتلال لا تستطيعُ فعلَ شيءٍ أَبداً بشأن حالةٍ شعبيةٍ غاضبةٍ كالتي تشتعل في الشارع المصري، وأَنها شديدةُ الحرص على دوام العلاقاتِ مع القاهرة، ما يعني استعدادَها لبلعِ أَيِّ مراجعةٍ لاتفاقاتٍ تجاريةٍ وسياسيةٍ وعسكريةٍ معها، مقابل الحفاظَ على هذه العلاقات التي يُطالب المتظاهرون المصريون، وغيرُهم، بقطعِها. ولأَنَّ الأَمر كذلك، كان ميسوراً أَن تسحبَ القاهرةُ سفيرَها من تل أَبيب، وتطلبُ من الأَخيرة تخفيض عدد أَفراد بعثتِها في العاصمة المصرية، وتبدأَ (مثلا) في مراجعةِ اتفاقية بيع الغاز إِلى إِسرائيل. كان ممكناً أَنْ تجهرَ قيادةُ المجلس العسكري بهذه الخطوات، أَو غيرها، رداً على قتل الجنودِ عند الحدود، ولم تكن تل أَبيب ستقابلها بغيرِ الحردِ إِياه، والاستنجادِ بالداعم الأَميركي.

لم تصل الثورةُ بعد إِلى قنواتِ صناعةِ القرار السياسيِّ المصري، وما زال منظورُ التحالفِ مع واشنطن وأَولويةِ العلاقةِ الاستراتيجيةِ معها مهيمناً على صناع هذا القرار. ونظنُّها الحالةَ الديمقراطيةُ الناضجة، والمرتقبُ أَنْ تعبرَ إِليها مصر لاحقاً، وحدَها القادرةُ على انتشال القاهرةِ من مثل الضعف المحرجِ الذي «لملم» استسهالَ الجنودِ الإِسرائيليين رميَ الرصاص الحيِّ على عسكريين مصريين، في واقعةٍ لها مثيلاتُها في زمن حسني مبارك، وهو ضعفٌ يجعل مصر ليست تركيا، على ما عقَّبَ وزير الخارجية محمد كامل عمرو على مطالباتٍ بإِجراءاتٍ تُشابِه ما اتّخذتها أَنقرة تجاه إِسرائيل بعد جريمةِ قتل مدنيين أَتراك في سفينةِ مرمرة. ... منتظرٌ، إِذن، أَن تصيرَ مصر مثل تركيا، دولةً ديمقراطية أَولاً.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور