لمّا صادفتُ الروائيَّ المصريَّ صنع الله إِبراهيم على شاشة تلفزيون بلادِه الرسمي، بعد أَيامٍ من خلعِ حسني مبارك، وجدتُني أَسأَلُ ما إِذا كان مساءٌ سيأتي أُشاهدُ فيه الكاتبَ السوري صبحي حديدي على شاشةِ تلفزيون بلادِه. كان صنع الله، وهو المعارضُ اللاذِع، يتحدَّث في مقابلةٍ معه، عن سوْءات مبارك ونظامِه، الأَمر الذي أَتاحَه انتصار الثورة المصرية. ونظنُّه انتصارُ الثورةِ السوريةِ ما سيُتيح للصديق حديدي إِطلالةً مثل هذه، وهو الذي إِذ ينشطُ منذ سنواتٍ في الكتابةِ عن مباذلِ الحكم في سورية لا نُصادِفُه على الفضائياتِ بين المعارضين السوريين الذين يُستضافون فيها. وفيما تتناسلُ مؤتمراتُ المعارضةِ السوريةِ في غير بلدٍ منذ انطلقت الثورة، يُؤثر الغيابَ عنها، صدوراً عن وجهةِ نظرِه التي تفترضُ موجباتٍ معيَّنةً لمشروعيةِ النطق باسمِ الشارع السوريِّ الأَسير. وحدثَ أَنَّ معارضين أَشهروا اسمَه عضواً في مجلسٍ تمثيليٍّ لهم، رأَوْه صيغةً انتقاليةً ممكنةً لعبور سورية من النظامِ الساقطِ فيها إِلى الأفق الذي ينشدُه شعبُها، فسارعَ إِلى إِيضاح عدم صلته بالأَمر، مع تقديرِه لكلِّ نيّاتٍ طيّبةٍ في تلك المؤتمرات ومجالسِها.

لأَنَّنا، في هذه الأَيام، منشدّون، بأَعصابِنا وأَفهامِنا، إِلى سخونةِ الحدثِ السوريِّ الذي يتواصلُ فيه الفتكُ والقتل، وتستمرُّ فيه ثورةٌ شعبيةٌ تتطلعُ إلى التحررِ من الاستبداد والتسلط والفساد، يلزمنا أَنْ نقرأَ صبحي حديدي، وأَن نسترجعَ أَرشيفَ كتاباتِه عن شؤون بلادِه، فإِضاءاتُه كاشفةٌ على القمعِ المريع فيه. ولا شططَ في وصفِ ما يكتبُه حديدي بأَنه الأَكثرُ حذاقةً من بين كتاباتِ المثقفين السوريين المعارضين، مع الاحترامِ الواجبِ لهم ولمساهماتِهم. وتعودُ كفاءَةُ صديقِنا في هذا إِلى تدقيقِه فيما يشيعُ ويذيع، وإلى دأْبِه في ربطه الوقائعِ المستجدّة بسياقاتِها وصلاتِها بسابقاتِها، متسلحاً دائماً بمعرفتِه العميقةِ بتاريخ سورية، مستنداً دائماً إِِلى المعلومةِ المؤكدةِ من المظانِّ الموثوقة. ونحسبُ أَنَّ ثقافةَ صبحي حديدي النقدية، وهو الدارسُ المكين للأَدب الإنجليزي، تُمكِّنُه من الفحص اللازم لما يقرأُ ويُشاهد، كما أن رحابَةَ عُدَّته الأَدبية واللغوية يضْفيان على مقالتِه إِشراقاً استثنائِيّاً، ليس من الميسورِ الوقوعُ عليهما عند غيرِه من أَهل الكتابةِ في الصحافة. وثمَّة دراسات صبحي حديدي العميقة في الشعر العربي الجديد، وفي محمود درويش وإِدوارد سعيد، وفي غير موضوعٍ يتَّصل بالنقدِ الحديث ونظريّاتِه، وبمنجزاتٍ أَدبيةٍ وقضايا ثقافيةٍ غير قليلة.

استضافت عمان كاتبنا مراتٍ، وهو على معرفةٍ ممتازة ببلدِنا وشؤونه، وصداقاتُه فيها وطيدة، ومشاعرُنا جميعُنا تُشاطرُه وجعَه وهو يرى بلدَه يختطفٌها الحكم فيها. واختار كاتبُ هذه السطور الدعوةَ هنا إلى الاستعانةِ بما يكتبُه صبحي حديدي لنتزوَّدَ بمعرفةٍ أَكثر بسورية، قبل ثورتِها الظافرةِ إِن شاءَ الله، وفي أَثنائِها، ولنتملى أَيضاً في منجزِ مثقفٍ عربيٍّ كبير، منحازٍ، قولاً وفعلاً، إِلى الديمقراطيةِ والعدالةِ الاجتماعية والحرية، وإِلى ثقافة الاختلافِ والمغايرة، وبحسٍّ وطنيٍّ رفيع، ملتزمٍ قضايا الأُمة وأَشواقَها. ولا يعني هذا الحماس لصبحي حديدي تسليماً أَعمى بكل ما يرى، فهذا مما لا يستقيمُ مع عقلِه النقديِّ، بل يعني حماساً لفاعليَّةٍ ثقافيةٍ، استحقَّت موقعَها في اللحظةِ العربيةِ المحتدمة، الآن وقبل الآن، على السجالِ معها أَنْ يكون رفيعاً وأَخلاقياً، ومن موقع الإيمانِ الصادق بالديمقراطية، بعيداً عن الارتهان للإشاعة إِيّاها عن النظام السوري مقاوماً وممانعاً، كما حالُ من لا يستطيبون جهدَ صبحي حديدي، شافاهم الله.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور