لمّا سُئلنا، نحن المجتمعين في مؤتمرٍ في بيروت عن الإِعلام ومأْساة دارفور، عمَّن يرغبُ منّا في زيارةِ مخيمي صبرا وشاتيلا، للسّلامِ على ضحايا المذبحة الشهيرة، لم يتخلّف أَيٌّ منا عن ذلك المشوار في تلك العصريّةِ قبل خمسةِ أَعوام. ولمّا كان الصديق اللبناني علي حجيج يزورني في الفندق، دعوتُه لرفقَتِنا، فاستحسنَ أَنْ نذهبَ مع الجمع، ولكنْ، في سيّارتِه، فاصطحبْنا الصديقيْن، السوري والتونسي أحمد حسّو ورشيد خشّانة ومضيْنا. بعد وصولِنا جميعنا، دلفنا في مخيم شاتيلا الذي يجترح ساكنوه، كما ساكنو كلِّ مخيمٍ فلسطينيٍّ في لبنان، معجزةً خاصّة، إِذ يحتملون العيشَ في شروطٍ غيرِ آدمية، وفي بيوتٍ تسمى بيوتاً. كان برفقتنا فلسطينيان خبيران بما حدِّثانا عنه بشأنِ المخيمين، وفيما كنا ننعطفُ معهما من زاروبةٍ إِلى أُخرى، فاجأَنا رجلٌ بصراخِهِ فينا مُقرِّعاً، عمّا إِذا جِئنا للتفرّج على السكان والتقاط الصور بينهم. ولمّا صِرنا خارجَ أَحشاءِ المخيم التعيس، وفي شارعٍ تُرابيٍّ بدا سوقاً لكلِّ شيءٍ، مشيْنا إِلى ما قيل لنا إِنّها مقبرةُ ضحايا المذبحة، وهي بقعةٌ عليها عشبٌ وحشائش، بمساحة ملعبٍ لكرةِ الطائرة، وفيها، أُخْبِرْنا أَننا نقفُ في المقبرة، وأُشيرَ إِلى شيءٍ حديديٍّ في وسطها، لا أتذكَّر ملامحَ له، قيل لنا إِننا يمكنُ أَنْ نضع عليه الوردَ «المُهدى
» من ضحايا دارفور. قرأْنا الفاتحة، ثم فَطِنّا إِلى أَننا نقفُ على موتى لا قبورَ لهم ولا شَواهدَ تعيِّنُ أَسماءَهم، حدَّثت بعض أَصدقائي أَنَّ الجريمة، إِذن، مستمرَّة، حيثُ لا حياءَ أمام الفضيحةِ المعلنة.
أَستعيدُ، الآن، ذلك المشوار، وثرثراتٍ جالَت في خاطري في عين المكان الذي رُميت فيه أَبدانُ الشهداءِ وبقاياهم، ووقفنا فيه، فمرَّت على كلٍّ منا، نحن زائريه العابرين، خواطرُ تراسلت كيفما اتفق. أَستعيدُني شاهدَ عيانٍ على ما حسبْتُه ذبحاً متواصلاً للضحايا، بتغييب أَسمائهم، وانعدامِ احترام موتهم، وقد تلملموا في منامِهم الأَخير من غير مراسم دفن. يحدُثُ هذا منذ اقترفَ الكتائبيون اللبنانيون، بالتعاون مع الإِسرائيليين، فعلتهم التي يقعُ تذكرُّها الموسميُّ كل عام، من دون ضبط عددِ القتلى وتوثيقٍ مؤكدٍ لأَسمائهم، وهم فلسطينيون ولبنانيون، وبعضُ سوريين ومصريين وجزائريين وباكستانيين، بل ثمّة خمسةُ عمالٍ بنغاليين قتلهم الفاجرون على أَسرَّتِهم. كان من الشهداء أَبناءُ اللبنانية زينب المقداد السبعة، وكان من قضى بالبلطاتِ والفؤوس، وبالرصاص والسكاكين، وأَيضاً بجرافات أَعطاها الجيش الإسرائيلي لأولئك الزعران، لهدم بيوت الساكنين على رؤوسِهم، فآثروا استعمالَها لبعض الفتلك ونقل الجثث.
في ذكرى المقتلة في هذه الأيام، يحسنُ إِلقاءُ التحية على بيان نويهض الحوت التي أَنجزت الكتابَ الأَهمَّ عنها، وثَّقت فيه 17 لائحة غير مكتملةٍ لأَسماءِ 906 ضحيّة و484 مخطوفاً ومفقوداً. وفي الذكرى، لا نغفلُ عن أَنَّ أَياً من منظمة التحرير والدولة اللبنانية لم تشهرْ لوائحَ اتهامٍ لمجرمي الحرب، ومنهم إِيلي حبيقة الذي نال وسام الأَرز من إِميل لحود، بعد توزير السوريين له وتنصيبِه نائباَ، ولم يعتذرْ عن جريمتِه أَو يتبرَّأَ منها. ونستعيدُ أَنَّ بلداناً عربية، منها الأُردن، استذكرت الضحايا بطوابعَ بريديّة أَصدرتها، ما لم تفعله الدولةُ اللبنانية التي كرَّمت بشير الجميل بطابع.
هي أَفكارٌ تراسلت هنا عفو الخاطر، جاءَت على زيارةٍ إِلى ضحايا المذبحةِ، وقد مضت 29 عاماً على قتلهم، لم يشتهرْ في أَثنائها اسمُ واحدٍ منهم، أَو يُتَّهمَ أَيٌّ من القتلةِ في أَيِّ محكمة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور
login |