حدثَ في مثل هذا اليوم، قبل خمسين عاماً، أَنَّ عقيداً في الجيش السوري، اسمُه عبدالكريم النحلاوي، أَنهى، مع رفاقٍ له، الوحدةَ المصريةَ السوريةَ، فما استمرَّت غير ثلاثِ سنواتٍ ونصف، وهي التجربةَ الاندماجيَّةَ الوحيدةَ بين مشاريعَ عديدةٍ هدفت إِلى بناءِ وحدةٍ أَو وحداتٍ عربية، منذ المؤتمر العربي الأَول في باريس في 1913 إِلى مشروعِ علي عبد الله صالح في قمّة سرت في 2010. ومشهورٌ أَنَّ تلك الوحدة كانت مطلباً سورياً، اندفع إِليها عسكريون وسياسيون سوريون أَلحوا على جمال عبدالناصر من أَجل إِقامتها. ومعلومٌ أَنَّ قوىً إِقليميةً ودوليةً نشطت استخبارياً لإِنهائها، وراجَ في حينِه أَنَّ «الرجعية العربية» دعمت «جريمة» الإِنفصاليين في دمشق، بحسبِ نعتٍ خلعَه قوميون عرب على حركةِ أُولئك الضباط. وتستدعي الإِطلالةُ على تلك الواقعة، بعد خمسين عاماً عليها، التخفُّفَ من وطأَةِ المشاعر الوحدوية الوجدانية فينا، والنظر في مفاعيلَ داخليةٍ ساقت إِلى إِنهاء تلك الوحدة التي وصفَها عبدالناصر بأَنها «أَملٌ جديدٌ بزغَ في أُفق الشرق».
تبدَّت الوطأَةُ هذه في الاستقبالِ العنيفِ لشهادة النحلاوي (87 عاما) في «الجزيرة»، وقد سردَ فيها تفاصيلَ، كانت جديرةً بالدرسِ بدلَ الشتائم والاتهامات التي ذاعَت ضدَّ الرجل. ومع التسليم بأَنَّ مقدم برنامج «شاهد على العصر»، أَحمد منصور، وجدَ في النحلاوي صيداً ثميناً له للتشنيعِ على عبد الناصر، ومع الإِقرار بأَنَّ استهدافَ الوحدةِ من محاورَ ودولٍ غيرِ قليلةٍ كان واضحاً، فذلك كله، وغيرُه، لا يعني التعامي عن مسألتيْن أَسهبَ فيهما الشاهد، أَولهما أَنَّ البيانَ الأَول الذي أَصدَره مع رفاقه صباح مثل هذا اليوم لم يأْتِ على إِنهاءِ الوحدة بين الإقليمين الشمالي (سورية) والجنوبي (مصر)، بل على تصويبِ أَوضاعٍ معينةٍ، بترحيلِ ضباطٍ مصريين نافذين من مواقعِهم في سورية إِلى القاهرة، لسوءِ تعاملِهم مع العسكر السوريين. وقال النحلاوي إِنَّ استقبالَ عبد الناصر البيانَ بانفعالٍ متوترٍ ذهبَ بالأُمور إِلى أَنْ يُنهي بيانان لاحقان الوحدة، وكان الأَول قد سلَّمَ باستمرارِ عبد الحكيم عامر حاكماً للإقليم الشمالي وبرئاسةِ عبدالناصر دولةَ الوحدة. وثاني المسألتيْن أَنَّ فظاظةً فوقيةً واستعلائيةً كانت ظاهرةً في ممارساتِ المصريين في سورية، سيما العسكريين منهم، وإِلى مدىً لم يكن، أَحياناً، احتمالُه ميسوراً، ما توازى مع قمعٍ شديدٍ، كان من أَبرز جلاوزتِه عبد الحميد السراج، والذي اضطر عبدالناصر إِلى عزلِه من إِدارة الاستخباراتِ العسكرية، في أَجواءِ دسائسَ بين رؤوسٍ نافذةٍ وذاتِ مسؤولياتٍ حسّاسةٍ في دولةِ الوحدة.
قالها وليد جنبلاط مرَّةً، في مراجعةٍ له حقبةَ الوجودِ السوريِّ في لبنان، إِنَّ على أَهل الحكم في دمشق أَنْ يتذكروا أَسبابَ انهيار الوحدة المصرية السورية، ونظنُّه أَصاب، كما نصيبُ حين نرى أَنَّ تقدّمَ الدول لا يستقيمُ حين تتداخل مسؤولياتُ العسكرِ والسياسيين، وأَنَّ علاقاتِ الشعوبِ ببعضِها، مهما بلغَ أَوجُ المشاعر العاطفيّةِ والقوميّةِ في أَثنائِها، سريعةُ العطبِ إِذا ما خدشتْها فوقيةٌ هنا ومكابرةٌ هناك. ليتذَكَّر الأَسبقُ منا عمراً بحنينٍ دافئ غناءَ محمد قنديل «أَنا واقف على الأَهرام وقدّامي بساتين الشام»، على أَنْ لا يُنْسى أَنَّ وحدةً بين دولتين عربيتين لا يمكنُ أَنْ تستمرَّ بالكيفيةِ التي كانت عليها تلك التجربةُ المرتجلة، وانقصفَ عمرُها سريعاً في مثل هذا اليوم الذي يُصادف، يا للمفارقة، أَيضاً، ذكرى وفاة رئيس دولة الوحدة، جمال عبدالناصر.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور