فور إِعلان واشنطن كشفَها ما قالت إِنه تدبيرٌ إِيرانيٌّ لاغتيال السفير السعودي لديها، عادل الجبير، كان طبيعياً أَن يستقبلَ كثيرون منا النبأَ بشكوكٍ سريعةٍ، وبأَنه ذريعةٌ مفتعلةٌ لمزيدٍ من حصار طهران، فمصداقيةُ السياسةِ الأَميركية مخرومة، ويكاد يستحيل رتقُ ثقوبِ الكذبِ فيها، كما أَنَّ وقائعَ مشهورةً لا تجعل الالتفاتَ إِلى قرائن «الزعم» الأَميركي الجديد مهماً، وتُعزِّز حسبانَها مفبركة. وفي الأَثناء، جيئَ على فِريةِ أَسلحةِ الدمار الشامل في العراق، والتسويغِ باستهدافِ السفير الإِسرائيلي في لندن في 1982 لغزو بيروت. والبادي في وجهةِ النظر هذه، والوجاهةُ فيها غير قليلة، أَنّها تنهضُ على مثل قاعدةِ «قياس الغائبِ على الشاهد» في اجتهادِ الفقهاء، والتي أَضاءَ الراحل محمد عابد الجابري حضورَها الثقيل في الخطاب العربي المعاصر، القوميِّ والماركسيِّ والإِسلاميِّ. فانعدامُ وجودِ الأَسلحةِ المحرَّمةِ في العراق، ثم احتلال هذا البلد، هو ما يدلُّ على أَنَّ الإِعلانَ عن محاولةِ إِيران قتل الجبير كذبٌ صريح، وتبريرُ إِسرائيلَ غزوها لبنان قبل 29 عاماً بعد محاولةِ قتل سفيرٍ لها هو ما يعني أَنَّ الولايات المتحدة تصطنعُ إِعلانَها هذا لتتّخذ إِجراءً ما، عسكريٍّا ربما، ضد إِيران.

يُساق هذان «الدليلان» في فضحِ «الحلقةِ الجديدةِ في متوالية اميركا_ ايران»، من دون حاجةِ من يعتنقونهما إِلى اختبارِ دعوى واشنطن نفسِها، بشأْنِ القبضِ على إِيرانيٍّ يحملُ الجنسيّةَ الأَميركية بتهمةِ تخطيطِه مع شبكةِ مخدراتٍ في المكسيك لاغتيال السفير السعودي، بتكليفٍ من قياديٍّ في فيلقِ القدس التابعِ للحرس الثوريِّ الإِيراني. وأَيضاً، من دون التفكير قليلاً في أَنَّ وزارة العدل الأَميركية هي التي أَعلنت الكشفَ عن المحاولةِ الآثمة، وليست وزارة الخارجية أَو البيت الأَبيض، ما يعني أَنَّ الملف جنائيٌّ أَولاً، قبل تداعياتِها السياسية المؤكدة. ولأَنَّ اغتيال الجبير لم يحدُث، والحمد لله، فذلك يُضاعفُ تلك الشكوك، ونحن العرب شغوفون بإِنتاجِ قصصٍ عن مؤامراتٍ «يُؤكد» عدمُ حدوثِها أَنها مؤامرات.

وفي وسعِ المرءِ أَنْ يجتهد، بعيداً عن ذلك المنطق القياسي، ويتريّث، ويتفحص قرائنَ الولايات المتحدة على ما قالت، سيّما وأَنها تحدَّثت مباشرةً مع إِيران في الموضوع، وهو ما يُثبته مسارُ الجدل بينهما رغم نفي طهران. وإِذا كان وزير الخارجية الإِيراني علي صالحي يُصرح أَنَّ بلادَه مستعدةٌ للنظر في القضية، وطلبت من الأَميركيين المعلوماتِ الضرورية في الملف، فالأَوجبُ أَنْ نتعاملَ مع «الأُزعومة» الأَميركية برويّةٍ، بدل التعجل الاتهاميِّ إِياه.

لم تكن العلاقاتُ بين دول الخليج وإِيران، في رئاستي هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، على حال التردّي الراهن، ومعلوم أَنَّ الكويت أَعلنت، قبل شهور، كشفَها شبكةَ تجسس إِيرانيةٍ في أَراضيها ثم إِبعادَها دبلوماسيين إِيرانيين، وواضحٌ أَنَّ تدخلاً مذهبياً تُمارسه إِيران في البحرين. ولعله اجتهادٌ في مطرحِه أَنَّ أجنحة في السلطةِ هناك غير متفقةٍ تماماً بشأن الأَجدى اتّباعُه في هذه العلاقاتِ، فقد تحدثت غيرُ شخصية نافذةٍ عن تبعيّةِ البحرين لإيران، ثم لفلفت الدبلوماسية هذا التخريف، وهذا عضوٌ في لجنةٍ أَمنيةٍ في البرلمان يقول إِنَّ بلادَه قادرةٌ على احتلال السعودية لو أرادت، فيما يُطْنِب أَحمدي نجاد عن أَحسن العلاقات معها. وربما يعمل جناحٌ متشددٌ في الحرس الثوري على تأْزيمٍ ما في المنطقة، فارتأى اغتيال عادل الجبير. نذهبُ إِلى هذا القياس في الاجتهاد، مُصابين، ربما، بما نُؤاخِذ غيرَنا به، مع استذكارِ محمد عابد الجابري.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور