كانت فرصةً ثمينةً لكاتبِ السطور التالية أَنْ يُشاهد في مهرجان أَبوظبي السينمائي الدولي فيلم "رجال أَحرار"، والذي يُعرض، حالياً، في فرنسا وأَميركا وعدة دول، واستحقَّ مخرجُه المغربي إِسماعيل فرّوخي (1962) فوزَه في المهرجان بجائزة أَفضل مخرج عربي، "لقدرته الممتازة في سردِ حكايةٍ مجهولةٍ ومهمةٍ من التاريخ الحديث، ..."، بحسبِ لجنة التحكيم، برئاسة السوري نبيل المالح وعضوية آخرين بينهم أجانب وليلى علوي. أَضاءَ هذا الفيلم المتميّز بإِيقاعِه الرائق وبراعةِ ممثليه، على واقعةٍ تاريخيّةٍ تهمنا عرباً ومسلمين، ويعنينا، في هذه الغضون تحديداً، أَنْ نُشْهرها، سيّما وأَنَّها مهملةُ، ولا أَظنُّ أَنَّ باحثاً عربياً جاءَ عليها. تتعلق بدور مؤسس مسجد باريس، إِبان الحرب العالمية الثانية، الجزائري الذي صار دبلوماسياً مغربياً (
) قدور بن غبريت، في حمايةِ مئاتِ اليهود في فرنسا من المحتلين النازين، وإِنقاذِهم من جرِّهم إِلى المحرقة، بإِيوائهم وتأْمين هروبِهم من ملاحقات الأَلمان وحكومة فيشي العميلة، وبإِعطاء عديدين منهم هويّاتٍ ووثائق تعدُّهم مسلمين. ويضيء الفيلم على انخراط مغاربيين مسلمين، كانوا عمالاً في فرنسا، في المقاومةِ ضدَّ الاحتلال الأَلماني. وجاءَ مهماً تعقيبُ أحد مشاهدي الفيلم، في دردشةٍ مع المخرج، أَن جزائريين دافعوا عن فرنسا، وجدوا لاحقاً أَنَّ المحتل الفرنسي قتل أَفراداً من عائلاتهم في بلدِهم.
يسرد "رجال أحرار" حكايتَه هذه في قصةٍ شائقةٍ عن شابٍّ جزائري مهاجرٍ يتاجر في السوق السوداء، تُجنِّده الشرطة الفرنسية جاسوساً على المسجد، ثم يُصبح بين المقاومين ويساعدُ في إِنقاذِ يهودٍ بينهم طفلتان شقيقتان. وفي مسار صداقةِ هذا الشاب مع المغني الجزائري اليهودي سليم الهلالي (توفي في 2005)، يذهبُ الفيلم إِلى تفاصيلَ حارَّةٍ في مبنى الحكاية، والتي تنشغلُ مطارحُ فيها بتظهيرِ وجودِ عمالةٍ مغاربيةٍ في تلك السنوات البعيدة في المهجر الفرنسي. ويحضرُ موروثُ الموسيقى الشعبيّة العربية الأَندلسية في الفيلم في مشاهدَ غير قليلة، لا لتمنحَ الفيلم حيويّةً وجاذبيةً مؤكدتين فقط، بل لتحيلَ أَيضاً إلى مناخٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ في أَجواءِ المغاربيين هناك، ومقاهيهم وحاناتهم، والتي غنّى محمد عبد الوهاب في إِحداها وصلةً مع الهلالي الذي يُطاردُه الأَلمان، وينجو منهم بفضل الشيخ بن غبريت، حين تمّ تضليلُ هؤلاء بوجودِ قبرٍ لوالد هذا المغني اليهودي في مدفنٍ للمسلمين. وكان ذا دلالةٍ، بعض الشيء، أَنْ تتجاورَ الأَديان الثلاثة، الإِسلام والمسيحية واليهودية، في مقاومةِ العسف النازي، وأَنْ تجمعَ منتمين إِليها تلك الموسيقى الأَندلسية الشفيفة.
هو مقطعٌ مخفيٌّ في تاريخ فرنسا، نَبشَه المخرج المغربي المغترب هناك، إِسماعيل فرّوخي، واستطاع بأَداءٍ جميلٍ من الفرنسي ميشيل لوندال شخصيةَ الشيخ بن غبريت، وكذا الجزائري طاهر رحيم والمغربي بنهاس كوهن وممثلين آخرين، أَن يرميَ في مرمى الذاكرةِ الفرنسية خصوصاً، ذلك المقطع المُعمّى عليه تماماً، والذي يتعلق بلحظةٍ زمنيةٍ شديدةِ الوطأَة في العقل الأُوروبي، والذي تحتلُّ قصة النازية فيها مطرحاً قاسياً. وإِذ يردُ أَنَّ بن غبريت أَنقذ في تلك الأَثناء نحو 1600 يهودياً من الموت، وإِنْ ذكرت تقديراتٌ عدداً أَقل، وإِذ يوردُ مؤرخون أَجانب أَنَّ شكوك سلطاتِ حكومة فيشي العميلة للأَلمان كانت كبيرةً فيه، فذلك كله يوجبُ علينا حفظ اسم ذلك الشيخ المجاهد، وتظهير دورِه ذاك، صدوراً عن إِيمانه بقيمة الإِنسان في دينِه الإِسلام، يأْخذُنا إِلى حكايتِه الباهرة فيلمٌ سينمائي جميل، يكون طيِّباً لو يتيسَّر عرضُه في الأُردن.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور
login |