يُؤثر بعضُنا النقاش في مسأَلةِ الحضورِ الواسع لدولة قطر في ملفاتٍ غيرِ قليلةٍ باستهجانٍ، غيرِ مهذَّبٍ أَحياناً، فيرونه مريباً وسبباً لسخريةٍ لا شططَ في نعتِها، هنا، بقلةِ الأَدب. ويهوى هؤلاءِ التأْشير إِلى صغر مساحةِ قطر ومحدودية عدد سكانها، ما يعتبرانه منقصةً لا تبيح للدوحة كلَّ هذا التواجد السياسيِّ لها، والذي صار مركزياً في الفضاءين العربي والإِقليمي. والبادي أَنَّ قطر نجحت، أَيَّما نجاحٍ، بحسبِ كاتبِ هذه السطور، في تهشيمِ المنظور العتيق، وهو أَنَّ أَدوارَ الدول، سياسياً ودبلوماسياً وأَوزانَها في العلاقات الدولية، مرهونةٌ فقط بمساحاتِها وثقلِها الثقافيِّ وعددِ سكّانها وموقعِها. ومع احتفاظِ هذه العوامل بأَهميَّتِها البديهية، فإِنها ليست حاسمةً دائماً، ولا تُيَسِّر وحدَها لدولٍ تتوفر لديها الحضورَ الحيويَّ في الملعبِ السياسيِّ الخارجيِّ، بدليل مصر حسني مبارك مقارنةً بمصر جمال عبد الناصر. وأَمام متغيّراتٍ عربيةٍ وعالميةٍ تسارَعت في العقدين الماضيين، يتأَكَّدُ أَنَّ تقسيم الدول العربية، صدوراً عن البعدِ المشار إِليه وحدَه، إِلى دولٍ مركزية وأُخرى هامشية، لم يعد صحيحاً، فإِذا كانت قطر نجحت في جمعِ اللبنانيين في لحظةِ احتدامٍ شديدِ الحدّة، ليُوقِّعوا اتفاق الدوحة في 2008، فذلك لأَنَّ دولاً عربيةً موصوفةً بأَنها مركزية لم تستطع القيام بذلك، ولم تُرِدْه، ولأَنَّ قطر أَرادَت واستطاعت.

يُراقب المواطنُ العربي الأَزمةَ السورية الراهنة، ويُدهشُه أَنَّ قطر تقود الدبلوماسية العربية بشأْنها. ويراقبُ الجاري في ليبيا فيُفاجِئُه دورٌ قطريٌّ نشطٌ هناك، سياسياً ومالياً وعسكرياً وإعلامياً، منذ أُولى مظاهراتِ الثورة هناك. ويُؤشِّرُ أَنََ الشيخ حمد بن خليفة أَولُ القادةِ العرب الذين يزورون مصر وتونس بعد نجاحِ ثورتيهما إِلى طموحِ الدوحةِ لأَنْ تظلَّ أَول المبادرين في غير شأْن، وفي البال أَنَّ أَمير قطر وحدَه من بين أَشقائه العرب زار الضاحيةَ الجنوبية في بيروت بعد عدوان تموز 2006، ووحدَه زار غزَّة قبل سنوات، والتقى فيها الشيخ أَحمد ياسين. ووحدها بلادُه نجحت عربياً في المنافسةِ على استضافةِ بطولة كأس العالم في كرة القدم، فيما أَخفقت المغرب ومصر، وأَزاحَ ملفُّها في هذا من قُدّامِها أُستراليا واليابان، ثم الولايات المتحدة التي غابت عن رئيسِها، باراك أُوباما، الروحُ الرياضيةُ لما رأَى في الأَمر خطأً وقع فيه الفيفا.

وإذ بديهيٌّ أَنَّ قطر حليفةٌ للولايات المتحدة، نتذكَّر أَنَّ ذلك لم يمنعها من التصويتِ، إِبان عضويَّتِها في مجلس الأَمن، ضد مشروع قرارٍ بتوجيه إِنذارٍ نهائيٍّ لإِيران بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم. ولم يعنِ هذا التحالف أَنْ لا تُناصرَ الدوحةُ الرئيس عمر البشير، وهي النشطةُ بهمةٍ دؤوبةٍ لحل أَزمة دارفور، وبذلت جهداً بشأْن نزاع السلطة والحوثيين في اليمن، وساعدت في الإِفراج عن الممرضات البلغاريات في ليبيا، وفي إِنهاءِ التوترات بين أَريتريا والسودان، وعملت على تولي شيخ شريف شيخ أَحمد رئاسة الصومال، وتوسطت بين موسكو والشيشان. وتتوسل قطر في هذه الملفات، وأُخرى غير قليلة غيرها، حيويةً دبلوماسيةً منفتحةً دؤوبة، جعلت الدوحة عاصمة أَثيرةً لاستضافة مؤتمرات دولية في شؤون الأَديان والطاقة والإعلام، وغيرها، وفي الأَرشيف ثمَّة “جولة الدوحة” في منظمة التجارة الدولية (الجات).

أَنْ يكون ثقلُ قطر المركزيُّ في فضائِها العربي موضوعَ نقاش، فهذا كلامٌ سياسيٌّ مطلوب، أَما الذهابُ به إِلى مطارحِ ثرثرةِ الشتائمِ إِياها فيدلُّ على قصورٍ لدى أَصحابِها في الثقافة السياسية. هنا المسأَلةُ وليست في محلٍّ آخر.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور