لا أُريدُ أَنْ أُصدِّق ما قرأْته عن المشاجرةِ الجماعيّةِ العنيفةِ بين طلبةٍ في جامعة اليرموك، ولا أُريد أَنْ أَعرفَ أَسبابَها وشتائم المجموعتين اللتيْن تشاجرتا، وذكرت الصحف أَنهما استخدمتا الحجارةَ والعصيَّ والسكاكين، وأَنَّ تكسيراً جرى لزجاجِ نوافد مبانٍ ولممتلكاتٍ وسياراتٍ في الجامعة وخارجِها، وأَنَّ إِصابات وقعت، وأَنَّ الأَمن قبض على متورطين في “المعركة”. سأَعتبر أَنَّ ما نُشِرَ عن “هلعٍ” دبَّ في الأَثناء بين بقيّةِ الطلبة “حكي جرايد”، لأَن القصة تخصُّ جامعة اليرموك، بيتي الأَول والباقي غافياً في روحي. ربما هو خطأُ السهو والاستعجالِ جعل الزملاءَ في الصحف يكتبون اسم اليرموك بدل جامعةٍ في المكسيك أَو البلطيق حدثَ فيها ما قرأْناه. انتظرتُ تصحيحاً يُنشر، واعتذاراً عن هذا الخطأ، ثم لم أَقعْ على هذا أَو ذاك، عدتُ إِلى قراءَة النبأ عن الواقعة التي لم أَتخيَّلْ يوماً أَنها ستُصادفني في أَتعس الكوابيس، تملَّيْت فيه، وجدتُه مكتملَ الأَركان والتفاصيل، ووجدتُني في حزن وجزعٍ غزيريْن توزَّعا في بدني، لأَن ما جرى مسَّ بيتي ذاك، وخدشَ قطعةً مني.
إِنها اليرموك، وليست جامعةً أُخرى، ملعبُنا الذي كنّا فيه طلاباً يُخاصِم بعضُنا بعضَنا، ليس لأَننا سلطيون ونابلسيون ورمثاويون وشركسيون، بل لأَننا إِخوانيون وفتحاويون وشيوعيون و...، لكننا لا نغفلُ عن أَنْ نلتمَّ جميعاً في اعتصامٍ في ذكرى وعد بلفور في اعتصامٍ أَمام مبنى كلية الهندسة. وجعٌ كثيفٌ يصل إِلى حدِّ النشيجِ أَجدُني فيه الآن وأَنا أَستعيدُ سنوات الثمانينيات الأُولى تلك، أَيامَ كان حردُنا من بعضِ أَصدقائنا، رفاقاً كانوا في الجبهة الشعبية أَو الحزب الشيوعي أَو في غيرِهما، نبيلاً ووديعاً، ولا ضير من رميِه الآن على مسافةِ ستةٍ وعشرين عاماً ببعضِ السذاجة. أَيُّ أَحمق في تلك الغضون يمكنه أَنْ يتحدَّثَ عن مشاجرةٍ أَو طوشةٍ أَو خناقة، وسقوفُ التنابذِ والعنفِ لم تتجاوز حدَّ مصايحةٍ يطفئها الفزّيعةُ سريعاً للتندُّر عليها بعد دقائق. وتلك كافتيريا الجامعة ملتقانا، بلا موبايلاتٍ ومواعيدَ مسبقة، لنُدردشَ على هذه الطاولةِ عن “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، أَو عن لقاءِ صديقِنا فلان الفلاني بسالم النحاس، وعلى طاولةٍ مجاورةٍ ثمَّة من “يُحاضِر” على جلسائِه عن عمالةِ أَنديرا غاندى لأَميركا، بمناسبةِ اغتيالِها الذي وقع للتو، فيما اتفاقُ شباط موضوعٌ أَثيرٌ عند الجميع.
في محلِّها مزحةُ سؤال صديقي حلمي الأَسمر، أَمس، في “الدستور”، عما إِذا كان الأُردن سيدخل موسوعة غينيس في عدد المشاجراتِ الجامعية، وفي مطرحِها صرختي هنا بأَننا، خريجي جامعةِ اليرموك ومحبّيها، نرى أَنَّ سمعةَ جامعتِنا الطيبة مكسبٌ ثمين للأُردن، وما صارت إِلا بالبيئةِ التعليميّةِ والطلابيةِ الرائقةِ التي امتازت بها سنواتٍ وسنوات، وثمَّة رهطٌ كبيرٌ من خريجيها في مرحلتنا تلك يتوزَّعون في مطارحِ العمل والبناء في البلاد، لا أَظنُّ أَنَّ أَحداً منهم يُجيزُ التهاون مع هذا الخراب الكارثيِّ الذي يجعلُ اليرموكَ ساحةَ معارك سخيفةٍ بين طلابٍ وطلابٍ فيها، لأَسباب لا نُريدُ أَنْ نعرفَها. لم يُوقِّعونا على ميثاقِ شرفٍ عندما انتسبنا إِلى الجامعة، نتعهَّدُ فيه بسلوكٍ قويمٍ وأَخلاقٍ حميدة، ونكون فيه تحت طائلةِ المسؤولية إن تشاجرنا وخرَّبْنا. لم يكن لمفردةِ العنفِ مطرح في معجَمِنا، ولم نكن أَنبياءَ ولا ملائكة، كنّا طلبةً فقط، أَي طلاب معرفةٍ، ولا أَتذكَّر أَنَّ طلابَ عصبياتٍ وجهالاتٍ اندسّوا بيننا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور