شائقةٌ ملاحقةُ أَخبارِ الرئيس التونسي، المنصف المرزوقي، وأَنشطتِه، على كثرتِها إِلى حدٍّ مدهش، فهما أُسبوعان فقط مرّا على تولّيه منصبَه، لكنهما حفلا باجتماعاتٍ وتصريحاتٍ وجولاتٍ عديدة، بل، أَيضاً، تزوج المرزوقي فيهما وزيرةً في الحكومة الجديدة، والتقى مرتين ضيوف بلادِه في المعارضة السورية وصديقه برهان غليون، وطلبَ تخفيضَ راتبِه من 30 أَلف دولار إِلى أَلفين، وتخصيصَ المتبقّي للفقراء، وأَعلنَ بيعَ القصور الرئاسيةِ في خارج العاصمة، وانتقد جهل فرنسا التي مكث فيها عقدين بالعالم الإسلامي، ودعا مواطنيه إِلى هدنةٍ سياسيَّةٍ بلا اعتصاماتٍ أَو احتجاجات، ولو مشروعة، ستة أَشهر، وتعهَّد بالاستقالةِ إِذا لم يفلح، مع الحكومةِ، في تغييرٍ اقتصاديٍّ ومعيشيٍّ وسياسيٍّ في البلاد في هذه المدة. ومن تصريحاتِه اللافتة، والشجاعةِ كما ينبغي التأكيد، دعوتُه يهودَ تونس، في إسرائيل وغيرِها، إِلى العودةِ إلى بلادِهم، فسيجدون العنايةَ والرعايةَ من الدولة، وذلك في لقائِه حاخامَ الطائفةِ اليهوديةِ التونسية، حاييم بيتان الذي وصفَ اللقاءَ بالتاريخي.

هم أَلفا تونسيٍّ يهوديٍّ في بلدِهم الآن، وكانوا 57 أَلفاً عند الاستقلال في 1956، يُقيم 42 أَلفاً منهم في إِسرائيل. وكان حذاقةً من المرزوقي تأْكيدُه مواطنيّة يهودِ بلادِه الباقين فيها، وكذلك من راشد الغنوشي وحمدي الجبالي لقاؤُهما رئيس الطائفة اليهودية، روجيه سبيموت، وزيارة وفد من حركةِ النهضة أَبناءَ هذه الطائفة في إِحدى ضواحي العاصمة. ومبعثُ الحذاقةِ أَنَّ هذه اللقاءات طوَّقت أَيَّ تأثيرٍ أَرادَه نائبُ رئيس الوزراءِ الإِسرائيلي، سيلفان شالوم، (تونسي الأَصل)، في دعوتِه يهودَ تونس إِلى الهجرة إِلى إِسرائيل، بذريعةِ الخوفِ على سلامتِهم بعد أَنباءَ عن العثور على أَسلحةٍ مهربةٍ من ليبيا في جربة، وهذه يُقال إِنَّ أَقدمَ نسخةٍ من التوراة موجودةٌ في المعبد اليهودي فيها. وإِذ يقولُ المنصف المرزوقي إنَّ بلادَه في مرحلةِ ما بعد الثورة، حيثُ الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، لا تُفرِّق بين أَبنائِها، فإِنّه في ذلك يصدُّ محاولةً إِسرائيليةً مكشوفةً للتسلل إِلى الشأن التونسي، من بوابة أُزعومةِ الحرصِ على سلامةِ اليهودِ في هذا البلد.

أَنْ يدعو رئيسُ دولةٍ عربيةٍ يهودَ بلادِه في إِسرائيل إِلى عودتِهم إِلى أَوطانهم الأَصلية، فهذا يصلحُ أَنْ يصيرَ مبتدأَ نشاطٍ استراتيجيٍّ كبير، وجهدٍ طويلٍ في هذا الخصوص. وفي البال أَنَّ رجلَ الاقتصاد والفكر، الدكتور طلال أَبو غزالة، طرح، قبل عامين، فكرةَ إِنشاءِ صندوقٍ دوليٍّ لتمويلِ عودة “اللاجئين اليهود” في إسرائيل، بحسب تسميتِه لهم، إِلى “أَماكنهم وبلادِهم الأَصلية”، ضمن حملةٍ عالميةٍ لأَجل هذا الهدف، باعتبارِه “حلاً يستندُ إِلى قوانين الأُمم المتحدة وحقوق الإِنسان والأَديان والأَخلاق والمبادئ”. ولا تزال في البال دعوةُ الصحافيةِ الأَميركيةِ من أَصلٍ لبناني، هيلين توماس، اليهودَ في إِسرائيل العودة إِلى البلادِ التي كانوا فيها. وأَيَّاً تكن مقاديرُ الأَحلام في هذه الدعوات، وقد انضمَّ المنصفُ المرزوقي إِلى أَصحابِها، فإنَّ إِسنادَها ممكنٌ بتذكير العالم بأَنَّ الصهاينةَ الأَوائل اخترعوا فكرة فلسطين وطناً قومياً لليهود، بعد أَنْ تداولوا بشأْنِ غيرِها، ومن ذلك أَنَّ تيودور هرتزل دعا، ابتداءً، إِلى إِقامةِ الدولةِ اليهودية “في أَيِّ مكان”، واستطابَ الأَرجنتين، ثم حاولَ الحصولَ على موزمبيق والكونغو، وحاور الإنجليز بشأْن أُوغندا، ثم اقترحوها عليه قبل وفاتِه بعام، وتبنّاها “دولة مؤقتة”. ... كلُّ الشكر لفخامةِ الرئيس المنصف المرزوقي لأَنه في واحدةٍ من جديدِ إِشراقاتِه اللامعة، أَخذنا إِلى ذلك الأَرشيف.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور