لا مجازفةَ في الزعمِ، هنا، أَنَّ العربَ، شعوباً ودولاً، وربما أَفراداً أَيضاً، ليسوا بعد 2011 كما قبله، ووصفُه بأَنَّه استثنائيٌّ وانعطافيٌّ في محلِّه تماماً. أَميزُ ما تحقق فيه أَنَّ طبقاتِ اليأْسِ الثقيلة التي تراكمت في عقودٍ سابقةٍ عليه تحطَّمت، فلم يعد ثمة تسليمٌ بأَنَّ الطغيانَ والاستبدادَ والفسادَ قضاءٌ وقدرٌ في أَحوالنا، وبأَنه ليس في عروق الأُمة حميّةٌ كافيةٌ لأَنْ تُواجه الشعوبُ البطشَ المقيم، لتلوحَ أَماراتُ التغيير والنهوض. لذلك، لا شططَ في اعتبارِ الفعلِ الباهرِ الذي ينخرطُ فيه الشعبُ السوريُّ الجريحُ منذ شهور معجزة، ولا يخجلُ من يُصارِحُ نفسَه بأَنّه لم يتخيَّل يوماً شيئاً منها. ولا غلوَّ في التذكيرِ بأَنَّ وثبةَ الشعب المصري، المتواصلة منذ 25 يناير، كانت من الأَحلام العصيَّةِ على تخمينِ حدوثِها. أَما هروب زين العابدين بن علي وانهيار نظامِه، وتولّي مضطهدين من مساجينِه الشرفاءِ الحكمَ والسلطةَ في تونس، فإِنَّ وصولَ هذا الحدثِ البهيجِ إِلى سقوفِ مخيّلاتِنا لم يكن ميسوراً. وهذه الروحُ الثوريةُ المتقدةُ لدى أَهلنا في اليمن، لا تزيَّدَ في إِشهارِها واحدةً من بدائعِ العامِ الذي مضى، فنجهر ببهجتِنا الرائقةِ بها. وإِذا كان شعبُ ليبيا المجاهد، والذي صمدَ طويلاً أَمام التخلفِ الفاحشِ الذي استطابَه معمر القذافي لبلادِه، قد دفعَ أَكلافاً باهظةً من دماءِ أَبنائِه ومقدّراتِ وطنِه، فإِنّه في 2011 وضعَ أَقدامَه في مسارِ آمالٍ عريضةٍ، عنوانُها الأَولُ الحرية، لتصير ليبيا كما ظلَّت تستحقُّ أَنْ تكون.
قد لا تنسجمُ النبرةُ المدائحيةُ العالية، هنا، للعامِ الذي غادَرنا، مع الوظيفةِ الأَهم للمثقف والكاتب، وهي النقدُ والاعتراض، لكنَّه الانتصارُ في أَثنائه على اليأْس ما يشحنُ تدافعَ الأَفكار بشأْنِه، ويجعلُنا ننحازُ إِلى كلِّ نقدٍ يرى في المنجزِ العربيِّ في 2011 اندفاعاتٍ ناقصةٍ، ويُنبِّه إِلى قوىً مضادةٍ تنشطُ من أَجلِ شدِّ هذا المنجز إِلى مطارحِها المقيتة. وتجعلُنا هزيمةُ ذلك اليأْس نُجافي الكلامَ الرديءَ عن تدبيرٍ أَميركيٍّ وراءَ ثوراتِ الشعوبِ العربية وانتفاضاتِها، وعن “ثوار الناتو” في ليبيا بوهمِ أَنَّ الحلفَ المذكور هو الذي أَحدَثَ التغييرَ المشتهى منذ عقودٍ هناك، وعن تصيُّدٍ خطأ في هذا المحلِّ وذاك، لدى المعارضاتِ السوريةِ وفي المشهد اليمني مثليْن، للتعامي عن جرائمِ سلطتي دمشق وصنعاء في حمص وتعز، والقفز عنهما إِلى افتراض “أَوامر أَطلسية” قضت بالذي بادرت إِليه جامعةُ الدول العربية باتجاه آلامِ الشعبِ السوريِّ الغزيرة، وإِلى دلقِ كلامٍ كثيرٍ عن تكييفٍ أَميركي لليمن المستجدّ، فيما التطلعُ إِلى الحريةِ والخلاصِ من الفسادِ والتجبّر وتزبيطاتِ التوريثِ وتأْبيدِ السلطةِ لفلانٍ وأَحفادِه، هو الحقيقةُ الأَوضحُ في الفيضانِ البشريِّ الذي تعمَّد بالدمِ، وبالهتافِ لمستقبل آخر، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية.
هي تمارينُ عربيةٌ في الانتقال إِلى الديمقراطية، نُعايِنُها بانتباهِ الحريصِ عليها، وليس بالشكِّ المرضيِّ إِياه، في غير بلدٍ شهدَ ثورةً أَو بعضَ ثورةٍ أَو إِصلاحاتٍ أَو مقاديرَ من هذه وتلك، أَيّاً كانت الصعوباتُ والعثراتُ والمخاوف، وأَياً تكن مواضعُ دسِّ أَميركا والغرب أُنوفَهم فيها. أَما تمرينُنا في الأُردن، وهو خاصٌّ جداً في تفاصيلِه، من حيث التمسكِ بالنظامِ وشرعيَّتِه، فقد كان صخبُه في 2011 عتبةً متقدمةً للوصول إِلى مراتبَ أَرقى وأَجدى، نظنُّنا، الآن، على مشارفِها غير البعيدة، سيَّما وأَنَّ اليأْس في الأُردن لم يكن يوماً على وطأَته إِيّاها في مطارحَ عربيةٍ أُخرى.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور