صحَّت الأَنباءُ عن سيطرةِ قذّافيين على مدينة بني وليد أَو نُفيت، فإِنَّ التقاتلَ الذي جرى فيها، وسقطَ فيه ضحايا، معطوفاً على اشتباكاتٍ أَهليةٍ قبله في طرابلس وغيرِها، ومسبوقاً باقتحامِ مسلحين مقرَّ المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي وتحطيمِه، فذلك كله، وغيرُه أَيضاً، يُنبئُ عن حالٍ هناك يبعثُ على التطيُّر من القادِم في ليبيا المستجدّة، سيّما وأَنَّ رئيسَ المجلس، مصطفى عبد الجليل، جهرَ مرتين، في بضعةِ أَيامٍ، عن خشيتِه من حربٍ أَهليةٍ قد تنشبُ في بلادِه، وسيّما، أَيضاً، أَنَّه أَضافَ إِنَّ ليبيا قد تنزلقُ إِلى “هاويةٍ بلا قاع”. مسوِّغاتُ هذه المخاوف باديةٌ في فوضى السلاح، وانتشار الميليشيات والجماعات الإسلامية المتشددة، مع رفض تشكيلات مسلحةٍ ممثلةٍ في ثوار مصراتة وثوار الزنتان ومجلس عسكري طرابلس الاندماج في الجيش الوطني قيد إِعادة البناء، ومع تمسُّك هذه التشكيلات بعصبيّاتها، وقد كانت ضمن 17 فصيلاً مُسلحاً شاركت في المعارك مع كتائب معمر القذافي إِبان الثورة، وآل بعضُها إِلى شللٍ مسلحة تضم، غالباً، شُباناً متحمسين قليلي الخبرة وذوي أَداءٍ مرتجل، تتناهبُهم ولاءاتٌ جهويةٌ ومصالحُ وغاياتٌ متضاربة، مع صلاتِ زعاماتٍ بينهم بارتباطاتٍ خارجية.
يزيدُ من خوفٍ مشروعٍ على ليبيا أَنّها بلد تصحَّرَ سياسيّاً أَكثر من أَربعةِ عقود، ويحتاجُ الفضاءُ العام فيه إِلى تمارينَ في النقاشِ في الشأْن العام، سيّما وأَنَّ المرحلةَ الراهنةَ مشوَّشة، ويفترضُ أَنْ يتدشَّنَ فيها بناءُ مؤسساتِ الدولةِ المرجوة، أَولاً بانتخابِ مجلسٍ تأْسيسيٍّ يصوغُ دستوراً حديثاً، وتالياً بنهوضِ عملٍ مؤسساتيٍّ في قطاعاتِ الخدماتِ والأَمن والإِنتاجِ والحياةِ المدنيّةِ الحديثة. ولمّا كان عدمُ تطبيقِ الشريعةِ الإِسلاميةِ من أَسبابِ احتجاج من اقتحموا مقر المجلس الانتقالي، فذلك يعني أَنَّ حالةً من الأَسلمةِ ستنطبعُ بها ليبيا في مستقبلِها المنظور، ولا غضاضةَ في ذلك إِذا اتَّسَقَ في مسارٍ ديمقراطيِّ التفاصيل، بعيدٍ عن الإِستقواءِ وتوسل الغلبةِ بالسلاح. وإِذ يطلبُ مصطفى عبد الجليل وقتاً كافياً لحكومة عبد الرحمن الكيب، لتتمكَّنَ من تيسيرِ الخدماتِ في البلاد، وتعميمِ الأَمن بعد تدهورِه، فذلك يُؤشرُ إِلى ارتجالٍ غيرِ هيِّنِ النفوذ يطبعُ المزاجَ السائد هناك، ويتوازى حضورُه مع ولاءٍ للقذافي ما زال باقياً في بعض المدنِ والبلدات، سيّما التي تشعرُ بتهميشٍ وتناسٍ.
ويدفعنا قولُ عبد الحفيظ غوقة عند استقالتِه من موقعِه نائباً لرئيس المجلس الانتقالي، بعد طردِه من جامعة بنغازي، إِنَّ ثمَّةَ ارتفاعاً في منسوبِ الكراهيةِ والأَحقادِ لدى التشكيلاتِ الراهنة، إِلى خوفٍ مضاعفٍ من أَنْ تفعلَ تلك الأَحقادُ أَفاعيلها، فنشهدَ الحربَ التي لم يستبعدها عبد الجليل. ودرءاً لهذا كله، وتحصيناً لليبيا من أَنْ تتدحرجَ إِلى ما لا تحمدُ عقباه، يكونُ طيِّباً من جامعةِ الدول العربية لو تُتابِع العملية السياسية المرتقبة فيها بكيفيَّةٍ خاصّة، فتتواصل مع النخبةِ الليبية الراهنة، وتساعدَها في صوغِ آلياتِ الانتقال الديمقراطي المشتهى، وفي تعيينِ خريطةِ طريقٍ عملياتية يُمكن بها ضمَّ السلاح الفالت في الجيش ومؤسسات الأَمن، ونظنُّ الأُردن ومصر من بين دولٍ عربيةٍ مؤهلةٍ لمثل هذا الدور الشديدِ الإلحاحِ، فالحماسُ العربيُّ والعالميُّ من أَجل تحرير ليبيا من معمر القذافي يليقُ أَنْ يعقبَه حماسٌ من طرازٍ آخر لإنقاذها من شهوةِ السلطة لدى من يعتبرون أَنفسَهم الأَحقَّ بوراثةِ بلدِهم، بعد أَنْ جعلوا جثَّة القذافي فرجةً في ثلاجةِ لحومٍ، في عبورٍ غيرِ أَخلاقيِّ إلى ليبيا الجديدة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور