تفرَّجنا على مسرحية عادل إِمام “الزعيم”، وأَفلامِه “الإِرهابي” و”حسن ومرقص” و”مرجان أَحمد مرجان”، ولا نتذكَّرُ أَننا شاهدنا، أَو سمعنا، في أَيٍّ منها سخريةً أَو هزءاً بالإِسلام. ولم يكنْ ممكناً لهذا الأَمرِ أَنْ يمرَّ في ثلاثةِ أَفلامٍ عُرِضت في البلادِ العربية، وكذلك تلك المسرحيةُ، من دون أَنْ يستوقفَ الرقاباتِ فيها، إِذ لا يتمُّ التهاونُ مع ازدراءِ الدين الإِسلامي في أَيِّ بلدٍ عربي، كما أَنَّ الرقابةَ في مصر يستحيلُ أَنْ تُمرِّرَ تجاوزاً خطيراً مثل هذا في أَعمالٍ لعادل إِمام ولغيره. لعلَّها، إِذنْ، شطارةٌ خاصّةٌ لدى المحامي، عمران منصور، جعلتْه يحرزُ حُكمَاً بحبسِ النجم المصري ثلاثةَ شهور وتغريمِه أَلف جنيه، بتهم ازدرائِه الإسلام، واستهزائِه بمن يرتدون الجلبابَ والحجابَ والنقاب، في “الزعيم” وتلك الأَفلام. وإِذا كان تخميناً في محلِّه أَنْ يُرَدَّ الحكمُ في مرحلةِ الاستئنافِ لاحقاً، فذلك لا يعني التعامي عن خطورةِ ما أَقدَم عليه المحامي الذي ينتسبُ للتيار السلفيِّ، وعن خطورةِ الحكمِ نفسِه الذي يُسوِّغُ خوفاً على مستقبل السينما والمسرح في مصر، إِذا ما سيطرَ على صُنّاعِهما، مؤلفين ومخرجين وممثلين، حرصٌ على مراعاةِ أَمثال المحامي المذكور، فقد يفتح الحكمُ على عادل إِمام شهيَّةَ هؤلاء للمحاكم، فينشطون في جرجرةِ أَهل السينما والدراما إِليها، بالذرائعِ إِياها، ومنها حمايةُ الدين الإسلامي والأَخلاق من إِساءَاتٍ متوهمةٍ.
رُفعت القضيةُ على عادل إِمام، وليس على كاتبي المسرحيات والأَفلام الثلاثة ومخرجيها، فيما هم المسؤولون عن مضامين هذه الأَعمال التي لا نُؤاخِذُها على غير الرداءَة الفنية فيها، وهذا سببٌ أَدْعى لمناوأَتِها، ولكنْ، ليس بتشاطرِ المحامين. ومما يبعثُ على استهجانِ المسأَلةِ كلها، أَنَّ المحاكمةَ تتمُّ بأَثرٍ رجعي، فعروضُ مسرحية الزعيم بدأَت في 1993، واستمرت ستَّ سنواتٍ في مصر وغيرِ بلدٍ عربي، وبصعوبةٍ قد نتذكَّر أَنَّها تضمنت تهكَّماً على اللحى والجلابيب، وأُنتِجَ فيلم “الإرهابي” في 1994، وهو عن استهدافِ مجموعات إسلاميةٍ متشددة سياحاً وارتكابِها أَفعال قتلٍ إِرهابيةٍ، منها قتل فرج فودة. وليس دفاعاً عن عادل إِمام، أَنْ يُشارَ هنا إِلى أَنَّ هذا الفيلم لم يُسئ أَبداً للإسلام ولا للمتدينين الحقيقيين، ولم يهدفْ إِلى ذلك. وعجيبٌ أَن تشملَ الدعوى فيلم “حسن ومرقص”، والذي على الرغمِ من مواضعِ السذاجةِ غير القليلة فيه، في التأْكيدِ على التعايش الإسلامي المسيحي، فإِنَّه يصعبُ الوقوعُ فيه على ازدراءٍ للإسلام. وبشأْن “مرجان ... “، فهو فيلمٌ هزليٌ بائس، احتوى على بعضِ قلةِ الأَدب في التنكيتِ على الأُدباء والكتاب والسياسيين وبعض المشايخ، لكنَّه خلا مما رصدَه المحامي عمران منصور.
لسنا من أَهل الاختصاص في القانون، لكنَّ ذلك لا يمنعُنا من الاتفاقِ مع المخرج، داود عبد السيد، في خشيتِه من أَنْ يكون الحكمُ المستجدُّ على عادل إِمام بدايةَ هجمةٍ شرسةٍ على حرية الرأْي والتعبير والإِبداع، وهي حريةٌ أَكَّدَت عليها وثيقةٌ مهمَّة للأزهر قبل أَيام. وإِذ جاءت الدعوى، ومعها الحكم، في لحظةِ إِحراز السلفيين 120 مقعداً في البرلمان المصري، ومتصلاً، بكيفيةٍ أَو بأُخرى، بطلبِ أَحدِهم تغطيةَ التماثيل في مصر، وكذلك بدعوةِ السلفي، عبد المنعم الشحات، لمنع رواياتِ نجيب محفوظ “دفعاً للرذيلة”، إِذ هو الأَمر كذلك، يصيرُ متوقعاً أَنْ تتوالى دعواتٌ في المحاكم تُشابِه ما ضير به عادل إِمام، وهذا، لعمري، شأنٌ جللٌ ويبعثُ على التطيُّرِ والكآبة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور