ربما كانت رئاسةُ محمود عباس الحكومةَ الفلسطينيةَ المرتقبةَ غيرَ دستوريةٍ وغيرَ قانونية، وجيِّدٌ أَنَّ من انتقدوا “إِعلان الدوحة” أَشاروا إِلى هذا الأَمر، لكن الانشغالَ بهذا النقاش قد يُوحي بأَنَّ أَحوال السلطةِ الوطنيةِ دستوريةٌ تماماً، وتنتظمُ مع نصوص القانون، بوجودِ حكومتين، يحسنُ التذكير بأَنَّ إِحداهما في رام الله “حكومة تصريف أَعمال” يرأَسُها سلام فياض منذ أَزيدَ من أَربع سنوات، وثانيتُهما في غزة مقالةٌ برئاسة إِسماعيل هنية وتنسبُ لنفسِها الشرعية. وقبل ذلك وبعدَه، يُوهم ذلك النقاشُ بأَنَّ الرئاسة والمجلس التشريعي في السلطة، وكذا اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير ورئاسَتها، مؤسساتٌ قياديةٌ ترفلُ بفائضٍ من الشرعيّةِ والتمثيليّةِ الحقيقيّةِ والقانونيةِ والدستورية. ونظنُّه صائباً قولُ عضو المكتب السياسيِّ لحركة حماس، عزَّت الرشق، إِنه حتى لو وُجدت مخالفةٌ للقانون الأَساسيِّ للسلطةِ في رئاسةِ عباس الحكومة، “فنحن متفقون على أَنَّ المصالحةَ الوطنية، ومصلحةَ شعبِنا هي الأَساس، ومنها يُستمدُّ القانون”.
الأَوجبُ من هذا الجدل، الأَكاديمي الفقهي، أَنْ يتداعى المجتمعُ المدنيُّ الفلسطيني، ومعه القوى والتشكيلات السياسية، نحو تسريعِ إِنفاذ “إِعلان الدوحة” في جدولٍ زمنيٍّ ملزمٍ لخطواته، وتقصيرِه ما أمكن. وقبل ذلك وبعدَه، على “حماس” في قطاع غزة وقيادة السلطة في رام الله أَنْ تكفّا عن التمنُّن في إِطلاق سحناءِ سياسيين لديهما، وبأَعدادٍ ليست مؤكدة، وفي البال أَنَّ لجنةً تنشطُ في متابعةِ هذا الملف لم تُشْهِر بعدُ أَنَّ تبييضاً لسجون الطرفين قد تم. وفي البال، أَيضاً، أَنَّ جهداً طويلاً، وشجاعاً، يليقُ أَنْ يحدثَ بعد إِتمام هذا الأَمر بشأْنِ محاسبةِ مقترفي الانتهاكات المريعةِ والشديدةِ الفظاعة التي مورست على سجناءَ من الجانبيْن في زنازينهما. ويُؤسِّس قول خالد مشعل إِنَّ “حماس” و”فتح” أَخطأتا بحقِّ بعضِهما لنقاشٍ مدنيٍّ، لاحقاً، بشأْن كل ما جرى في سنوات الانقسامِ من سوءات.
ما يتأَكَّدُ في “إِعلان الدوحة”، للمرة الأَلف على الأَقل، أَنَّ الانقسام الرديء في الحالةِ الفلسطينية، والتقاتل المخزي بين “فتح” و”حماس”، وخطفَ الأخيرة قطاع غزة المحاصر، ما كان هذا، وغيرُه، لأَنَّ “حماس” تُقاوِم إِسرائيل وتنهضُ بمشروعٍ وطنيٍّ مقاومٍ فيما غريمتُها تفاوضُ وتقدِّمُ عبر السلطةِ تنازلاتٍ للعدو. قد نتَّفقُ أَو نختلفُ بشأْنِ هذا التشخيص المتعجل، لكنَّ ورقةَ المصالحةِ المصرية، وقبلها اتفاق مكة، وبعدَهما اتفاق القاهرة، ثم “إِعلان الدوحة”، لا تُبيِّن أَيٌّ منها شيئاً من ذلك، بل على العكس، توضحُ هذه الوثائق أَنَّ نقاط الخلاف التي ساقت إِلى الانقسام والتقسيم الحادثيْن تعلقت بحصص “فتح” و”حماس” في الأَجهزة الأَمنية، وبكيفيّاتِ صناعة القرار في الحكومة، أَساساً، ثم زادت هذه الخلافات بشأْن الحصصِ الممكنةِ في منظمة التحرير عند إِعادة بنائها، وبشأْن لجنةِ الانتخابات. وظلت هذه القضايا موضوعاتِ بحثٍ وتفاوضٍ وأَخذٍ وعطاءٍ ممليْن في مداولات موسى أَبو مرزوق وعزام الأَحمد في اجتماعات عديدة، ولا نتذكَّر أَنهما تداولا بشأْن عملية السلام والمفاوضاتِ والعلاقةِ مع إِسرائيل، مع احتفاظ كل طرفٍ بموقفِه المعلوم في المسأَلتين. ويفيدُ التذكيرُ بهذه المسلمة، هنا، في التفاؤل، الحذر ربما، بأَنَّ نجاحَ المصالحة المشتهاة ممكنٌ جداً بين الحركتين الكبرييْن، غير أَنها تحتاجُ إِلى عملٍ نشطٍ ودؤوبٍ في اتجاه تنظيفِ الجو الفلسطيني من تداعيات الانقسامِ الاجتماعية والمناطقية، ومن ندوبٍ وجروحٍ غير هينةٍ أَحدثتها عملياتُ القتل والثأر العديدةِ التي تخللت مواجهات الانقسام غير المنسيّةِ التفاصيل، ... تِنْذِكِر وما تِنعاد، بالتعبير اللبناني الشهير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور