للشاعر، الكبير حقاً، سعدي يوسف، أَنْ يخاف على سوريا من احتلالِها، وله أَنْ يرتابَ من الحركةِ الصاخبةِ، الأَميركية والفرنسية والعربية، بصددِها. ولكنْ، أَنْ يبلغَ به التشكيكُ بثورةِ الشعب السوري ضد النظام الذي يحتله منذ عقود حدَّ اعتبارِه حمص، عاصمةِ هذه الثورة، مستَنقعاً، فإِنَّ أَكثر من نقطةِ نظامٍ ينبغي إِشهارُها قدّامه، سيّما وأَنه يُعمي عينيه عن مئاتِ الضحايا الأَبرياء الذين قضوا بنيرانِ النظام في المدينةِ الصامدة، ولا يلحظُ فيها سوى “جهاديين” يُقاتلون “باسم دين التجارةِ والدعارةِ السياسية”. وفي أُزعومتِه هذه، وقد نشرَها في صحيفة “القدس العربي” أَمس، يصطفُّ سعدي يوسف مع الدعاية التي يدلُقها الحكمُ في دمشق بشأْن من يُقاتلونَه حمايةً للناس من جَورِه، ويواصلُ فيها ما كتبَه غير مرَّة، ساخراً من متظاهري حمص، ومعتبراً أَنَّ الجاري في سوريا مجرد استدعاءٍ للاستعمار، ومهاجماً برهان غليون بكلماتٍ لا يليقُ بشاعرٍ في مقامِه أَنْ ينطقََها. وقد وجدَ في دعوة الروائي إِلياس خوري، في كلمتِه في حفلِ تسلمه جائزة الشارقة للثقافة العربية من اليونسكو، إِلى التضامنِ مع الدمِ الذي يُراق في بابا عمرو، تعلَّةً للتهجم على ثورةِ حمص الظافرة، والتي كان بديعاً من خوري أَنَّه في محفلٍ ثقافيٍّ عالميٍّ جاءَ على سيرةِ ناسِها الذين “يُعلنون أَنَّهم ينتصرون على الموت، بموتِهم الذي يصنعُ حريَّتَنا”.
لا مطرحَ في معجم سعدي يوسف، المستجدِّ منذ أَزيدَ من عام، لمثلِ ما قاله إِلياس خوري، ببساطةٍ لأَنه لم يعد يحفل بغيرِ سبابِ الآخرين وهجاءِ الشعوب العربية، الدجاجية بحسبِ شتيمتِه لها، حين تُسمّي انتفاضاتِها وثوراتِها ربيعاً عربياً، فيما أَنَّ “أمراً صدر بهذا (الربيع) من دائرةٍ أَميركية معنية”، وفيما الذي جرى في تونس ومصر “لم يكن غير طريقٍ إِلى احتلال ليبيا للاستيلاءِ على نفطها”. لا محلَّ لمفردةِ الحرية في معجمِ الشاعر الكبير، ولا لحقِّ الشعب السوريِّ فيها، فالحادثُ في بلد هذا الشعب أَنَّ غزاةً لاحقين سيهدموا قرىً فيه على رؤوس أَهلِها الآمنين. وما يبعثُ على العجبِ في مثل هذا الكلام الذي يبسُطه سعدي يوسف كيفَما عنَّ له، وكيفما جاءَ إِلى خاطرِه، لا يلتفتُ أَبداً إِلى أَنَّ آلافاً من سوريين آمنين قضوا في قصفِ القذائف وبالرصاص الغزير، في اثني عشر شهراً مضت، فلا يستحقون منه نزراً من أَسى، أَو حفنةً من تعاطف، ما يستنفرُ سؤالاً عن الشعرِ ماذا يكون، وعن الشاعرِ من يكون، إِذا لا يستثيرُهما أَلمُ الإنسان وسرقةِ حياتِه.
لا يرى سعدي يوسف في أَيِّ سطورٍ تستهجنُ عبثَه وبؤسَه الراهنيْن، سوى كتابة صحافيين مرتزقة، وعلى ما في هذه السُّبَّةِ من إِضحاك، فإِن تنكيتاً سمجاً يتبدّى في كلامِه أَنَّ نيكولا ساركوزي أَرسل مرتزقةً فرنسيين إِلى حمص. ولا يحتاجُ قارئُ هذا الابتذال إِلى عناءٍ كثيرٍ ليُخمِّنَ أَنَّ “الشيوعيَّ الأَخير”، وهذا وصفٌ أَثيرٌ يخلعُه شاعرُنا على نفسِه، إِنما يقصدُ الصحافيين الذين قضوا في جحيمِ النظام السوري في حمص والذين نجوا منه. ... نقرأُ ما أَدلى به هؤلاءِ عما شاهدوا وعايَنوا، ونقرأُ سطوراً موجزةً مما ينشرُه الكاتب الأَميركي بالفرنسية، جوناثان ليتل، عن مشاهداتِه في حمص المنكوبة، ثم نُطالع خطرات سعدي يوسف ونظراتِه الجديدة، فلا نعرف، هل نشفقُ عليه ، أَم نغضبُ منه، أَم ندعو له بالشفاءِ مما يفعلُه بنفسه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور