كان أَمس عيد ميلاد محمود درويش، ال 71، وهذه مناسبةٌ جديدةٌ، ليس لتكرار التقليديِّ والمألوفِ مما يُقال عنه، وعن منجزِه الشعري الفريد، بل للتفكير في تنوُّعِ منجزِه الثقافي العام، والبحثِ فيه درساً ونقداً. وما تعتني به هذه السطور، هنا، هو التذكير بدرويش مثقفاً كبيراً، وليس شاعراً عالمياً استثنائياً فقط، فليست ترِكَتُه في الشعر فقط، بل ثمّة تصوراتُه واجتهاداتُه في غير مسأَلةٍ وقضية، في السياسةِ والحياةِ والفكر والوجود والثقافةِ مثلاً، فضلاً عن آرائِه في محطاتٍ غيرِ قليلةٍ عبرت منها وفيها وإِليها القضية الفلسطينية. وهذه كلها حاضرةٌ في مقالاته ومشاركاتِه في ملتقياتٍ عربيةٍ وأَجنبية، وفي مناسباتٍ احتفائيةٍ به دارت فيها حواراتٌ معه، وفي مقابلاتٍ معه في صحافاتٍ مكتوبةٍ ومرئيةٍ ومسموعةٍ أَزيدَ من أَربعةِ عقود. وهذا كله أَرشيفٌ ثريٌّ على درجةٍ شديدةِ الأَهمية، يتوفَّرُ على التفاتاتٍ جديرةٍ بالاهتمامِ والنقاش، وبالإِفادةِ منها، ربما، في الجدالِ الثقافيِّ والسياسيِّ العربي، ومنه الفلسطيني في المسأَلةِ الوطنيةِ. وإِذا كان شعرُ محمود درويش، ومعظمُ نثرِه، تمَّ نشرُه في حياتِه، رحمه الله، وبعضٌ آخرُ قليلٌ بعد رحيلِه، فإِن ذلك الأَرشيف يحتاجُ من يُبادر، أَو يُبادرون، إِلى جمعِه وتبويبِه وتحريرِه وتوثيقِه، ثم نشرِه بكيفيةٍ علميةٍ لائقة، ليُتاحَ لجمهورِ درويش، العربيِّ الكبير، وكذا قرّائِه في العالم، ولتتجدَّدَ معه صلةٌ من الاحتكاكِ به مثقفاً صاحبَ تأملاتٍ وآراءَ فيها مقاديرُ غزيرةٌ من الإبداعِ والتأَمل الذهنيِّ والانتباهاتِ الفكريةِ الخلاقة.

أَميركا وياسر عرفات وقصيدة النثر والعمليات الاستشهادية والتطبيع وفلسطين في العالم واحتلال العراق وحركة حماس وبيروت والعلاقة مع الذات واتفاق أوسلو والمرأة والمسافة بين الثقافي والسياسي، بعضُ موضوعاتٍ كثيرةٍ تحدَّث عنها محمود درويش، وكانت له إِجاباتٌ عن أَسئلةٍ حولها. ويعودُ حماس هذه السطور هنا لآراءِ الشاعر الكبير بشأْنها إِلى أَهمية هذه الآراءِ في درسِ ظاهرتِه الشعرية، في تنويعاتِها وإِحالاتِها الفلسطينية والعربية والعالمية. وغالباً ما اجتمعت في وجهات نظر درويش واجتهاداتِه، كما هي منشورة، تلقائيةٌ وعفويةٌ تتوازيان مع عمقٍ شديد، وإِنْ ببعضِ الارتجالية أَحياناً. وتتبدّى فيها، إِلى ذلك، انحيازاتُه الأولى، والمؤكدة، إِلى جمالياتِ الإبداع والشعر، وهو الذي كان يرى أَنَّ الشاعر لا يمكن أَنْ يبدعَ بامتلاكِه قضيةً عادلةً فقط، فلا بدَّ من تحقيقِه مستوىً جمالياً عالياً، فيتلاحم هذا المستوى الفني بالقضيةِ في ذات الشاعر. وأَشار، مرَّةً، إِلى الشعراء الذين يرونَه خطراً أَدبياً عليهم، فيما “أَنظرُ إِليهم نظري إِلى أَولادٍ عليهم أَنْ يتمرّدوا على أَبيهم الروحاني، لهم الحقُّ في قتلي، ولكن، ليقتلوني في مستوى عالٍ، أَي بنص”. وقال، أَيضاً، “يعتبرني بعضُهم، على مضضٍ أَو برضى، أَباً روحياً، أَو أَحد الآباء الشعريين، ومن واجب هذا الولد أَنْ يقتل أَباه بأَدواتٍ إِبداعية، وليس بالتشهير والشتم والتخوين”.

في عيد ميلادِ محمود درويش، جيِّدٌ أَنْ نعرفَ أَنه قال في أَولِ مقابلةٍ صحفيةٍ عربيةٍ مهمةٍ معه، في 1968، وأَجراها محمد دكروب في موسكو، ونشرت في مجلة الطريق اللبنانية، “طموحي عبر الشعر أَنْ أَنقلَ قضيةَ شعبي إِلى الصفحات التي يستحقُّها من ديوان الشعر الإنساني، شاعراً إِنسانياً بملامحَ فلسطينية”. مؤكدٌ أَنَّ الراحل الكبير نجحَ في تحقيق طموحِه نجاحاً لافتاً، ومؤكدٌ أَنَّ تقصيراً بشأنِه يجدرُ تلافيه بجمعِ أَفكارِه وتأملاتِه وتصوراتِه، ونشْرِها في أَكثر من كتاب، لتتيسَّر لنا معرفةٌ أَشمل به، كمثقف كبير أَيضاً.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور