ليس مهماً أَنْ تعرفَ تفاصيلَ الصخبِ السياسيِّ الحادث في مصر حالياً. هو التدافعُ الذي تحاولُ القوى السياسية والاجتماعية، هناك، أَنْ تأخذَ، في أَثنائه، لنفسِها مطرحاً لها في المشهد الذي يتشكَّلُ منذ خلع حسني مبارك. أَنْ يُقالَ إِنَّ ثمة من يسرق الثورة، وإِنَّ جولةً أُخرى للثورةِ باتت لازمةً، وأَنْ يُقالَ كلامٌ كثير من هذا القبيل، فذلك كله يعني أَنَّ هذه الثورة متواصلة، وأَنَّ حيويةً تسري في مصر، يشتبكُ فيها الصحيحُ بالغلط، وإِنْ صار المواطنُ المصريُّ يشعرُ بالملل جراءَ هذا الصخب الذي يثورُ مرة بين الليبراليين والإخوانيين، وأُخرى بين المجلس الأَعلى للقوات المسلحة (الحاكم) والشباب، وأُخرياتٍ بين المجلس والإخوانيين، وبين قوىً لا عد لها والحكومة. حاجةُ المواطن ملحةٌ لنهوضٍ اقتصاديٍّ عاجل، يُخفِّفُ من غلاءِ الأَسعار ويرفعُ الرواتبَ والدخول، ويُهيِّئ فرص العمل، ولأَمنٍ وأَمانٍ واستقرارٍ سياسيٍّ وحرياتٍ مُصانة. تعرفُ الحكومةُ هذا كله، وتُغالبُ صعوباتٍ لا حصر لها في محاولاتِها تيسير ما أَمكنَ منه، وهي التي بلا غطاء، ومكشوفةٌ أَمام سلطةِ المجلس العسكريِّ وخياراتِه في غير ملف.
لم يكن مفاجئاً أَنْ يحوزَ حزب العدالة والحرية، الممثل لجماعة الإخوان المسلمين، مقاعدَ وفيرةً في الانتخاباتِ النيابية، لكنَّ المفاجأة، الصادمةَ ربما، في المئةِ والعشرين مقعداً التي نالها التيار السلفيُّ ممثلاً بحزب النور. لم يكن هؤلاءِ معروفين، لم يكونوا منشغلين في الشأنِ العام، وفي مستجدّات السياسة، ولم يُؤثر عنهم أَنَّهم ناهضوا حكم مبارك، وتواجهوا مع الفساد والتسلط في عهدِه، لكنهم تقدّموا على غيرِهم ممن ناضلوا في كفاحٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ ونقابيٍّ ومدنيٍّ متنوعٍ ضد ذلك الحكم الذي كانت الثورة الشعبية الباهرة، في واحدٍ من وجوهها، تتويجاً لذلك النضال. تُرى، هل يصيرُ صحيحاً، إِذن، القولُ إِنَّ النخبةَ المصرية لم تكن تعرف مجتمعَها جيداً، حتى تُفاجأَ بنفوذ السلفيين فيه إِلى هذا الحد. عبَّر محمد حسنين هيكل عن هذه المفاجأة، بشجاعةِ من يعترف بقصورٍ لديه في معرفةِ هذا المعطى من معطياتٍ غير قليلة، تتالت في مصر في أَول عامٍ بعد خلع الشعب المصري مبارك وحاشيته وعائلته، كان منها، أَيضاً، أَن خلع النظام الذي صارت الثورةُ ضده يحتاجُ إِلى ورشٍ ثوريةٍ نشطةٍ ويقظة، وأَنَّ خيارات المجلس العسكري وحساباتِه ليست تماماً في مسار الخلعِ المتوخّى والمشتهى، وهي الخياراتُ والحساباتُ التي ظلت أَهمَّ أَسباب الارتباك والتشوش اللذيْن ضربا المشهد المصريَّ العام، في أَزيدَ من عام.
ما نودُّ، دائماً، أَنْ يسمعه المصريون منا، نحن العرب، أَنَّ بصلتنا محروقة، وننتظر بلدهم في موقعِه القياديِّ إياه، معافىً من كل أَمراضِ الفساد والرداءَة والرثاثةِ السياسية، لتعودَ مصر كبيرةً كما أَرادت لها مفاعيلُ التاريخ والجغرافيا، فقد جعلها اللذان ورطاها في الرهان الأَميركي، أَنور السادات وحسني مبارك، صغيرةً، ولم يدركا أَنَّ مصر تُعاكس مسار التاريخ حين تصير صغيرةً، وحين تنتهكها خرائطُ الفاسدين والمفسدين. نحدسُ أَنَّ صخب هذه الأَيام، بشأنِ صياغة الدستور الجديد، وبشأنِ العلاقة التي لم تعد سويَّة بين قيادة العسكر والقوى السياسية المتنوعةِ في المجتمع، تفصيلٌ أَول في مخاضٍ صعبٍ بعض الشيء، في مسارٍ يكتمل بعد بعضِ الوقت، تمضي فيه مصرُ نحو ما يتمنّى أَهلها وناسُها الطيبون الدافئون. ننتظرُ نحن العرب انتصارَهم في معركة الديمقراطية وبناءِ نظامٍ سياسيٍّ حديث، وكلنا ثقةٌ بتحققِه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور