تبرَّمَ الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، من كثرةِ خرّيجي الآداب من مواطنيه، فلا يستوعبُ سوق العمل الفائضَ منهم، فتزيد أََعدادُ العاطلين بينهم، فيما خريجو التخصصات العلمية قليلون. وقال، لمجلةٍ فرنسيةٍ، إِنَّ أَحدَ أَسباب تخلّف بلادِه “أَنها بلد المليون شاعر، وهذه مأساتُنا”، فاستنفرَ غضباً واسعاً منه، وهو الذي استجدَّ حراكٌ ضده يُطالبه بالرحيل، فاضطرَّ إِلى استرضاءِ المثقفين الموريتانيين، وأَنْ يُشيع أَنَّ تصريحاتِه فُهمت خطأً، و”أُخرجَت من سياقها”، بحسبِ العبارة المأثورةِ في مثل هكذا ورطة. وعمَد، في استقباله كتّاباً في القصر الرئاسي، إِلى “توضيح” أََنه لم يقصد الإساءَة إِلى شعراء بلادِه، وإِنما طرحَ مشكلةَ قلة التخصصات الفنية والعلمية، مع طغيان الأَدبية، بين حملة الشهادات، ما يرفعُ نسبة البطالةَ إِلى مستويات قياسية. لم يقتنع موريتانيون كثيرون، وطفقَ عديدون بينَهم يزهون بصفةِ موريتانيا بلدَ المليون شاعر، ورأَوا أَنّه كان على الرئيس أََنْ يفخر بها، بدل “إِهانة” الشعراءِ و”السخرية” منهم.
ننتصرُ لشعراءِ موريتانيا، في مطالبتِهم رئيسَ بلدِهم أَنْ لا يُحمِّلهم المسؤولية عن سوء التدبير والتخطيط لدى صنّاع القرار في الدولة، سيّما التعليمي والمؤسساتي، وقد طالعنا لغاضبين بينهم كتبوا عن “تواضع” مؤسساتهم التعليمية. ومع التسليم بوجاهة ردِّهم هذا، ثمَّة إِشكالٌ بنيويٌّ عميق، لا يقتصر حضورُه على موريتانيا، يتعلَّقُ بشغفِ مجتمعاتِنا بالاستعارات والمجازات، واستسهالِها الخطابةَ بديلاً عن الإنجاز، بل وابتهاجِها بالإنشاءِ والمبالغاتِ إِياها. ويتوازى هذا مع ضعفٍ مريعٍ صار ظاهراً في المستوى العام لخريجي الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والتاريخ. وتتعلق المسأَلةُ بمنظور واسعٍ ونافذ، يرى دراسةَ الآداب والتاريخ والشريعة أَيسرَ للأَذهان والمدارك، وأََقلَّ تطلباً للجهد وإِعمال الفكر والعقل، ويشيع هذا الفهم المختلُّ في ثقافةٍ اجتماعيةٍ وتربويةٍ متفشيةٍ في بيئاتِنا العربية. وإِذا كنا لا نقعُ على منجزاتٍ علميةٍ وتقنيةٍ وطبيةٍ كبرى، بمعنى الإضافةِ والاختراعِ والاكتشاف، في جامعاتِنا ومعاهدِنا، وفي أَوساط العاملين في التكنولوجيا والمعارف العلمية، مع تقديرٍ واجبٍ لكفاءاتٍ وخبراتٍ غير قليلة، فإِننا نلحظ تراجعاً حادّاً في البحث الأَدبي والفكري والتاريخي والنقدي، وفي مستواه التحليلي والتركيبي، واستخفافاً بصنعةِ الشعر وكتابةِ الرواية والمسرح، وفي الإبداعات الغنائية والسينمائية، مع التقديرِ نفسِه لمنجزاتٍ متميزةٍ، فرديةٍ غالباً.
تأْخذُنا ورطةُ الرئيس محمد ولد عبد العزيز، في كلامِه ذاك، إِلى هذه المنطقة من النقاش، بشأن ما ينجذبُ إِليه الشباب من حقول التعليم العالي، ومن ثمَّ العمل وميادينِه، وفي البال اقتضاءُ التخصص العلمي درجاتٍ أَعلى منها للالتحاق بالأَدبي. وليس مداهنةً لفخامتِه التخمينُ بأَنَّ حسن المقصد كان وراءَ غضبتِه من وجودِ مليون شاعرٍ في بلادِه فيما ينقصُها الحرفيون والصناعيون والأَطباءُ والمهندسون والتقنيون. ونحسبُ أَنَّنا، نحنُ العرب وفي مقدمتنا الموريتانيون، مدعوون إِلى التخفُّفِ من حالة الانتشاءِ بعظمتنا في الشعرِ، فيما تخلفنا العلميُّ والحضاريُّ والثقافيُّ، وكذا هزائمنا إِياها، فضيحة بين الأمم، من دون شططٍ في هذا الوصف. وكان يمكن للرئيس الموريتاني أَنْ يختارَ تعبيراً حصيفاً، غير الذي جهر به، للفرنسيين يا للشماتة، لتظهيرِ مشكلةٍ كبرى في بلادِه تحتاجُ ورشَ عملٍ خلاقة لحلِّها، وليس “فشّة خلق” منفعلة، جعلتنا، ربما، أَمام سؤال آخر، عمّا إِذا كان كل من يصفون أَنفسَهم شعراء، منّا نحن العرب، شعراءَ حقّاً، حتى نحتفي بهذه الأَعداد المهولة بينهم، والتي لا مجازفةَ في إِشهار أَنَّ تعطل الشعر عندَهم، كما جفافُ القريحة، ظاهران وواضحان.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور