لستُ مولعاً بالقهوة، ولا عارفاً بفنونِ غليِها، وتمرُّ أَيامٌ لا أَشربُها، وأَحسبُني من حزبِ الشاي، من دون مناوءَةِ القهوةِ والشغوفين بها. وأَجدُ جمالاً وأَناقةً في مذاق ما كتب عن القهوة في نصوصٍ أَدبيةٍ رفيعةٍ، ولعل من أَهمها ما كتبه محمود درويش، سيما في كتابِه البديع “ذاكرة للنسيان” (1986). ومعلومٌ أَنَّ الشاعر الكبير كان يصنعُ قهوتَه بنفسِه، وكان يرى أَنَّ لا قهوةَ تشبه أُخرى، ولكلِّ بيتٍ قهوتُه، ولكل يدٍ قهوتُها. ومن ثنائِه عليها وصفُه لها بأَنّها عذراءُ الصباح الصامت، والقراءَةُ العلنية لكتابِ النفسِ المفتوح، والساحرةُ الكاشفةُ لما يحمله النهار من أَسفار. ومناسبةُ سيرةِ القهوة، هنا، أَنَّ كتاباً أُطالعُ فصولاً منه بتؤدة، هو “الرحلة الناصرية”(754 صفحة)، لصاحبِه أَبي العباس أَحمد بن محمد بن ناصر الدرعي، عن رحلتِه عام 1709 ميلادية خمسة عشر شهراً، من سلجماسة في المغرب إِلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. وحقَّقَ مخطوطَها وقدَّم لها في رسالة دكتوراة عبد الحفيظ ملوكي، وأَصدرتها كتاباً قبل شهور دار السويدي للنشر والتوزيع في أَبوظبي.
أُشرك قارئَ هذه السطور في مطالعةِ بعضِ ما جاءَ عليه صاحبِنا بشأن “موقف العلماء من شرب القهوة” في فصلٍ قصير. ينقل عن إِمامٍ اسمُه أَبو سالم قولَه إِنها، لا شك، تزيلُ ما يحصل في الرأس من تدويخٍ بسببِ السهر وخلوِّ المعدة صباحاً، فإِذا شربَها الإنسان وجدَ في أَعضائه نشاطاً، وأَحسَّ بخفةٍ في رأسِه، وهذا في الغالب لمن اعتادَها. ويكتبُ أَنه رأَى في مكَّةَ كلاماً لابن حجر المكي الهيثمي في إِباحةِ القهوة، بالغَ فيه بالثناءِ عليها، وذكْرِ محاسنِها، ومما ساقَه مساقَ الاستدلال على أَنها مباحة، ومن شراب الصالحين، ومعينةٌ على العبادة، أَنَّ سلاطينَ وولاةً وحكاماً كثيرين بالغوا في إِرادة قطعها، والنداءِ عليها في الأَسواق وأَنْ لا تُشرَب، وإِراقتها والزجر عنها بأَنواع الزجر، ومع ذلك، لم تزد إِلا شهرةً وشيوعاً في البلاد.
ينشغل أَبو العباس في تأكيد إِباحة العلماءِ شربَ القهوة، ويأتي، أَيضاً، على مديحٍ لها في أَشعار وفي كلامٍ ينقلُه عن عارفين بها، وعلى فؤائد طبية ومضارّ لها، ويحذِّرُ ممن يخلطونها “بشيءٍ من المفسدات، كالحشيشةِ ونحوِها”، ثم يبيعونها، ويكتب “شربُها في مجامع أَهلها يؤدي إِلى الاختلاط بالنساء، لأنهنَّ يتعاطيْن بيعَها كثيراً”. وينقلُ عن علامةٍ “عارفٍ بالله تعالي” أَنَّ القهوةَ غيرُ مسكرة، “ولكن، من كان طبعُه الصفراءُ والسوداءُ يُحرَّم عليه شربُها، لأَنها تضرُّ به في بدنِه وعقلِه، ومن كان طبعُه البلغم فإِنها تُوافقه”. وينقل عن الإمام ابن عراق، وهو “مشهورٌ فضلُه وورعُه، وصدرٌ في علماءِ الحرمين علماً وعملاً، أَنَّ القهوةَ في نفسِها مُباحة، وهي شرابٌ لا إِسكارَ فيه، وفيه تنشيطٌ للنفس، غير أَنه يحصلُ بالمداومةِ عليه ضراوةٌ تؤثر في البدن عند تركِه، كمن اعتاد أَكل اللحم بالزعفران والمفرحات (؟)، فيتأَثَّر عند تركِه في البدن، ويحصل له انشراحٌ باستعماله”.
رحلةٌ شائقة، استحقَّ محقق مخطوطِها جائزةَ ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات التي يمنحُها، إِلى جوائز أُخرى، المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق). تُضيءُ على واحدةٍ من سماتِ النصِّ التراثيِّ العربي، المعنيِّ بالدين والفقه وليس بالضرورة الفقهي والديني، هي مؤاخاتُه بين الدين والدنيا. وفي حديثِ أبي العباس الدرعي، في أَوائل القرن السابع عشر، عن القهوةِ ما هو بديعٌ في هذا الخصوص.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور