محزنٌ لحد الأسى تحطيم السيد حسن نصر الله مكانته الخاصة التي استحقّها لدى ملايين العرب، ومؤسفٌ أَنه، بنفسِه وشخصِه، يعمدُ لهذا الأَمر، في مداومته منذ شهور على إِنكار ما يُغالبه ملايين السوريين جرّاءَ ما يمارسه النظام الذي يحتلهم منذ أَربعة عقود من عسفٍ وتقتيل وتهجير واستباحةٍ واعتقالٍ في مدنهم وقراهم وبلداتهم وأَريافهم.
لا يرى نصر الله شيئاً من هذا، وحين تنطقُ صور الفظاعات الدامية في حمص بالأهوال إِياها، لا يجد حرجاً في الجهر بأَنَّ لا شيء يحدثُ هناك. لا تنصرفُ عيناه إِلى غير جرائمِ التفجيرات المدانة، والتي لا دليل لدى أَيِّ أَحدٍ في اتهام أَيِّ أَحدٍ باقترافِها.
يُفاجئنا سماحتُه بأَنه يخوضُ بهذا الأَمر، وفي المشهد السوريِّ كله، بلغة يتشابهُ فيها مع ناصر قنديل وشريف شحادة وفيصل عبد الساتر، وهو ما لا نُحبه له، بالنظر إِلى قياديَّته الرفيعةِ وموقعه الرمزي، ويُسوِّغان أَنْ ننتظر منه أَن ينشغلَ بالجوهري، وموجزه أَنَّ الشعب السوري يستحقُّ التحرّر من النظام المستبد الذي يحكمُه، ويستحقُّ ضحاياه وقتلاه ومعذبوه تعاطفاً إِنسانياً معلناً ومؤكداً.
مع تقدير الظرف الخاص الذي يقعُ فيه بشأنِ حليفِه النظام الحاكم في دمشق، كان يمكن للسيد نصر الله أَنْ ينأى، بشخصِه على الأَقل، عن متاهةِ سوريا، أَو يكتفي بتمنّي الاستقرار لهذا البلد وشعبِه.
وفي ظننا أَنَّ في وسعِه أَنْ يتجاوز ذلك إِلى إِعلان موقفٍ صريحٍ من الذبح المتمادي الذي يخوض فيه النظام السوري في دماءِ شعبه، على غير قدرة حركة حماس التي لم يتورط أَيٌّ من أَعلامها في أَيِّ شبهةِ اصطفاف مع النظام المذكور منذ بدأَت محنة الشعب الراهنة هناك قبل أَربعة عشر شهراً.
لا يكتفي نصر الله بما يزيدُ ويعيدُ عن المؤامرةِ التي تستهدف نظامَ المقاومة والممانعة، بل صار يستسهلُ الكلام المسترسلَ عن الإرهابيين والقاعديين في حمص والشام، مع التغافلِ عن ثوارٍ جسورين هناك، يهتفون بحناجرِهم “ما إِلنا غيرك يا الله”، وكأَنهم يغسلون أَيديهم من نصر الله وغيره.
يتضاعفُ الأَسى مما يقوم به الأمين العام لحزب الله بإِنكارِه وجود حراكٍ ثوريٍّ سوريٍّ يتطلع إِلى التحرُّر من الطغيان العتيد، حين يطلبُ من الحراك في البحرين الاستمرار في احتجاجاتِه، وحين يرى هناك اضطهاداً للشعب البحريني، فيما يضنُّفي خطاباتِه على تسمية السوريين بأنهم شعب، ويبخلُ على ضحاياهم بأَيِّ مفردةِ تعاطف.
والمفارقةُ في هذا أَن نصر الله شغوفٌ بإصلاحات بشار الأسد، ويستغربُ رفض المعارضةِ لها، فيما لا تستحقُّ إصلاحات ملك البحرين، من تعديلاتٍ دستورية وتشكيل لجنةِ حوار والعمل بتوصيات تقرير لجنة تقصّي حقائق، التفاتةً منه.
ومبعثُ المصيبةِ في هذا السلوك أَن نصر الله لا يحسبُ الأثر البالغ السوء لهذا التمييز السافر، وهو الذي طالما أَشهرَ مخاوفه من فتنةٍ سنيةٍ شيعيةٍ مستقبحة، كان ظنُّنا أَنَّ سماحته أَحرص المسلمين على تفاديها، والأَكثر تنبهاً لشررها.
نراقب هذا التبديدَ المتسارع الذي يُواصله السيد نصر الله لما راكمَه من احترامٍ وإجلالٍ لشخصِه في الشارع العربي العريض، بفضل قيادتِه مقاومةً باسلةً أَثبتت قدرةً فريدةً على إِيذاء العدو الصهيوني، وعلى الصمودِ في مواجهته.
ينصرفُ سماحته عن هذا كله، لينقطعَ إِلى كلامٍ شديد الرثاثة عن نظامٍ يأخذ سوريا التي نحب إِلى الانتحار، يا لحزننا
|
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور
login |