ثلاثةٌ من المتنافسين على الرئاسةِ في مصر تقاطروا، قبل أَيام، إِلى محمد حسنين هيكل (87 عاماً)، هم أَحمد شفيق وعبد المنعم أَبو الفتوح وحمدين صباحي، على الأَغلب، للحصولِ على إِسنادٍ منه لهم في السباقِ الانتخابي. يدلُّ هذا على المكانةِ الرمزيةِ الثقيلة، والخاصة، للكاتب الكبير بين المصريين، شبّاناً وشيباً، والتي نظنُّها سببَ تواصل الصحفِ القاهريةِ معه، بإِجراءِ حواراتٍ معه بين وقتٍ وآخر، منذ اشتعال ثورة 25 يناير. وكانت جذّابةً وعميقةً، حضر فيها تشخيصٌ بالغُ النباهةِ لأَحوال مصر في غير شأْنٍ ومسأَلة، كما في الحوار الأَجدّ الذي أَرادته “الأَهرام”، قصداً، قبل يومين من بدءِ الاقتراع، وتحدَّثَ فيه، بذكاءٍ، عن بعضِ المرشحين، موضحاً آراءَه فيهم وفيما يقولون، من دون أَنْ يبينَ منه انحيازٌ إِلى أَيٍّ منهم.
بعيداً عن هيكل، وربما قريباً منه، يبدو عمرو موسى مرشحاً إِشكالياً بعض الشيء، بالنظر إِلى شعبيةٍ واسعةٍ يحوزُها بين المصريين (والعرب أَيضا)، وإِلى اقتصارِ اشتباكِ خصومِه ومنافسيه وناقديه معه على أَنه كان من وزراءِ حسني مبارك ورجال نظامِه، فيما لم يُمسَك عليه تورطٌ في فسادٍ مالي أَو شخصيٍّ يُعاب عليه، وردُّه الذي يردِّدُه على هذا أَنه كان وزيرَ خارجية مصر، وليس وزير مبارك، وكانَ في خدمةِ الدولةِ المصرية، ويأْتي على شواهدَ يقول إِنها تدلُّ على كفاءَته وعلى خلافٍ فيها مع مبارك. وللحق، ثمَّة وجاهةٌ في كلامه هذا وغيرِه، وإِنْ عمدَ إِلى مبالغةٍ واستعراضيةٍ تلفزيونيةٍ وخطابيةٍ فيه، لزومَ الدعايةِ الانتخابية. ولا شططَ في الزعم أَنَّ عمرو موسى من أَكفأ وزراءِ خارجية مصر في السنوات الأَربعين الماضية، وتحت سقفِ “كامب ديفيد”، ومع تراجعِ مكانة مصر إِقليمياً ودولياً، اجتهدَ وحاولَ ونشطَ وأَجاد، وإِنْ يسهل تصيُّدُ خطأ عليه في هذا المطرح أَو ذاك. وصدوراً عن وجهةِ النظر هذه، ليس في محلِّه رميُ الرجل بين “فلول” مبارك.
أحسنَ هيكل وأَوجزَ في توصيف موسى مرشحاً، قال إِنه أَكثرُ المتقدمين للترشح جاذبيةً وقبولاً لدى الناس، ولكن، كان في استطاعتِه أَنْ يُقدِّم نفسَه في حملتِه الانتخابيةِ باعتبارِه رجلاً مهنياً، أَدّى دورَه في إِطار السياسات المرسومة، ثم سمعَ نداءَ الثورة واستجاب، وأَقبل بكل ما لديه من تجربةٍ لخدمة أَهدافِها، فقد كان جمال عبد الناصر ضابطاً أَقسم اليمين للعرش الملكي، لكنَّ داعي الوطن شدَّه إِلى أَنْ يُوجِّه ويُكرِّس ولاءَه للشعب. ويأخذُ هيكل على موسى قولَه إِنه اختلفَ مع سياساتِ مبارك وعارَضها، فذلك لم يكن ممكناً، وليس فيه ما ينتقصُ من كفاءَته وتميِّزه، فالرجلُ كان في خدمةِ الدولة، والدولةُ فيها نظامٌ يحكم، والتفرقةُ بين النظامِ والدولةِ تستوجبُ أَنْ يُحاسَبَ أَيُّ طرفٍ على أَدائه وسلوكِه، خصوصاً إِذا لم تكن في تصرفاتِهم شوائبُ تمسُّ الكرامةَ الوطنية، أَو تجاوزاتٌ تعتدي على المالِ والحقِّ العام.
أَجملُ ما في الانتخابات الرئاسية المصرية أَنَّ أَحداً لا يَقدرُ على حسمِ اسمِ الفائز فيها، ولأَنَّ الأَمر كذلك، إِنْ قُيِّضَ الكرسي العتيد لعمرو موسى، يُؤمل أَنْ لا ينقطعَ كارهوه إِلى دعاوى التآمر والصفقات إِيّاها، فالأوْلى مساندتُه، وهو الوطنيُّ والسياسيُّ المجرِّب وصاحبُ رؤيةٍ للنهوض بمصر. ونحسبُ أَنَّ هيكل كان على حقٍّ غزيرٍ في قولِه إِن “رئيس مصر المقبل ربما يكون في حاجةٍ إِلى معجزةٍ، حتى ينجحَ في مهمته”، يصدُقُ هذا على موسى وغيرِه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور