هنا في الدوحة، حيث تكتبُ هذه السطور، نعيش، منذ يوم الجمعة الماضي وإِلى السبت المقبل، نحن المدعوين إِلى تظاهرة “وطن يتفتّح في الحرية ... كتابٌ وفنانون سوريون مع الثورة”، حالةً بهية، عنوانُها أَنَّ سوريا، المدماة التي يُغالبُ ناسُها محنةً شنيعةً مع النظامِ غاصب السلطة، بلدٌ لا يجوز أَنْ ننسى عطاءاتِ مبدعيه في الفنون والآداب وتعبيراتِ الجمال المتنوعة، ولا أَن نغفلَ عن الإبداعِ الذي تُنتجُه الثورةُ الراهنة، وما صارت تستنفرُه من منجزاتٍ فنيةٍ وثقافية، منحازةٍ، بداهةً، إِلى الحرية. يُضحكنا ويُدهشنا علي فرزات في معرض رسوماتِه الكاريكاتورية، ونستمعُ إِلى جديدِ سميح شقير “يا رايح ع حمص”، ونُردِّد معه “يا حيف”.
لا ننسى إِبراهيم قاشوش، ونحن نسمع أَصالة نصري، ونروحُ إِلى إِيقاعاتٍ تنشغلُ بالجرح السوري، في أُغنياتٍ من الثورة وعنها وإِليها، في أَصوات خاطر ضوا ووصفي معصراني ويحيى حوا وتيسير غليون.
وثمّة عود العراقي نصير شمة وحنجرة المصري علي الحجار وصوت اللبناني أَحمد قعبور وغناءُ الفلسطينية سناء موسى والمغربي رشيد علام، وثمّة بين هذه التنويعات الشفيفة وغيرها قصائد أَحمد فؤاد نجم.
لوحاتٌ لفنانين سوريين بديعين في معرضٍ تتنوع فيه تجاربُ التشكيل الرفيع، وقراءاتٌ لشعراءَ سوريين تقطرُ قصائدُهم أَوجاعاً حارّة، نُنصتُ فيها إِلى البهيّ فرج بيرقدار الذي لم تُضعف روحَه المشعة بحبِّ الحرية 14 عاماً في سجون الأَسد الأَب والابن.
وننصتُ إِلى رشا عمران ولينا الطيبي ومروان علي وحسين الشيخ وحسام الدين محمد وزملاءَ لهم، قدموا من شتاتٍ سوريٍّ يُحسَب لنظامِ دمشق أَنه يُنجزُه بهمةٍ لا تنقطع.
روائيون وقاصون رائقون يطرحون أَفكارَهم عن الكتابة السردية المرتقبة في زمن الثورة وبعد انتصارِها القريب.
وثمة في التظاهرةِ الرائقةِ مختاراتٌ من المنجز السينمائي السوري المغيب، والذي ظنَّت السلطةُ هناك أَن منعه من العرض سينجحُ في تغييبه والتعمية عليه.
نشاهد أَفلاماً قصيرةً وتسجيليةً وروائيةً للراحل عمر أَميرلاي ونبيل المالح وأُسامة محمد وحاتم علي، يُضيءُ بعضُها على الإفقار والتهميش التي يُغالبها سوريون في قراهم ومدنِهم البعيدة، وفي حاراتِهم وزقاق بلداتهم، يُكافحون من أَجل عيشٍ كريمٍ في ظل سياسةٍ تنمويةٍ مختلةٍ، فنتأَكد، للمرة المليون على الأَقل، من فشلِ أَنظمةِ الدجلِ القومي والعروبي، ليس فقط في تحريرِ شبرٍ من أَراضيها المحتلة، بل، أَيضاً، في توفير حدٍّ أَدنى من كرامةِ العيش لغالبيةِ مواطنيها.
عروضٌ في المسرح الفردي، تفيدُ من الشعر والسرد والغناءِ والتشكيل، أَبدعها مخرجون وفنانون سوريون من أَهل الطاقات الإبداعيةِ، من طراز المخرج وليد قوتلي في تقديمِه “الأيام السبعة للوقت” للشاعر نوري الجراح، الغائب عنا في هذه التظاهرة، والتي كان مهماً أَن واحدةٌ من ندواتِها تخصصت في التدمير الذي أَحدثه النظامُ المتوحش في الآثار السورية.
وكان طيباً أَنْ تعتني ندوةٌ أُخرى برؤى المثقفين السوريين بشأنِ ثورةِ شعبهم، وأَدارَها د. عزمي بشارة الذي كان مساهماً بارزاً بتنظيمِ هذه الاحتفالية الاستثنائية، مع التنويه الواجبِ بالدور المركزي الذي قام به لإِنجازها وإِنجاحها الكاتب السوري حكم البابا.
وكان جميلاً حضور نور الشريف وهاني فحص ومحمود الريماوي وطالب الرفاعي وعبد الوهاب بدرخان من الفنانين والمثقفين العرب، وكذا حضورُ القاص السوري الكبير، زكريا تامر.
تحية لكلِّ من يسَّر لنا هذه المناسبة البديعة، في لحظةٍ سوريةٍ خاصة، مثقلةٍ بالدم، ومضيئةٍ، في الوقت نفسِه، بالإبداع وإشراقاتِه، شعراً وتشكيلاً وكاريكاتيراً وسينما وعصفاً ثقافيا وغناءً و... .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور