تطلبُ السلطةُ الوطنية الفلسطينية من الإنتربول (الشرطة الدولية) ملاحقة محمد رشيد، أَو خالد سلام في اسم ثانٍ له، مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات، والقبضَ عليه، فيردُّ بأَنه ليس قادراً على ذلك، لأَنَّ السلطة ليست دولة، ولأَن لدى المذكور خمسة جوازات سفر. وتُحاورُ فضائية العربية رشيد في حديثِ ذكريات طويل، فتحتجُّ “فتح” عليها، في بيانٍ مثَّل مسلكاً غريباً وجديداً من الحركة. في الأثناء، تقضي محكمة جرائم الفساد الفلسطينية، غيابياً، على الرجل بالسجن 15 عاماً، وتغريمِه 15 مليون دولار، وتُطالبه (وشركاءه) بردِّ 33496976 دولاراً، قالت إِنهم اختلسوها من صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي كان يُديره. ... تنتسبُ الحكايةُ هذه، وتفاصيلُها شديدةُ الإيجاز هنا، إِلى ما سماها ابن بطوطة “عجائب الأَمصار”، وربما إِلى خراريفِ الخوارق والغرائب، والواقعيّة السحرية التي اقترنت بإبداعات روائية وقصصية في أميركا اللاتينية. ببساطة، لأَن محمد رشيد، وهو العراقي الذي انتسب فتى يافعاً إلى العمل الفلسطيني، كان من أَقرب البشر إِلى عرفات، ما مكَّنه أَن يصير سنواتٍ طوالاً المسؤول الأَول عن إِدارة أَموالٍ واستثماراتٍ لمنظمة التحرير بالملايين، وكان ذا نفوذٍ استثنائيٍّ وصاحبَ مهمّات كبرى، على الرغم من أَنه لم يكن في أَي موقعٍ تنظيميٍّ في “فتح” أَو غيرها، ولم نطالعْ، يوماً، أنه سُئل عن أَمرٍ أَو استدعي لسؤال، وإِنْ ثارت بشأنه أَسئلةٌ وشبهات، كانت حمايةُ عرفات له تُنجيه من مراجعتِه في شيءٍ أَو محاسبته على شيء، كما كثيرين غيره، سيّما في زمنٍ مديدٍ من تمييع المؤسسات، وارتباط العمل الفلسطينيِّ عموماً بالقيادة الفردانية.

لنا أَن نستدعي، كما غير زميل ومعلق، المثل إِياه، عن المال السايب الذي يُعلّم السرقة. وقبل ذلك وبعده، لنا أَن نسأَل عما جعل السلطة الفلسطينية ومحاكمها ورؤوسَها تفطنُ لمسألة محمد رشيد. ولأَنَّ لا جواب لدى كاتب هذه السطور، فإِنه يحيلُ إِلى السؤال الأَهم، عما جعل هذا الشخص، نحو ثلاثة عقود، على ذلك النفوذ وتلك المسؤوليات والصلاحيات، من دون أَن يحرز تأهيلاً كافياً لذلك. وإِذا صحَّ أَنه مرَّة أَغلق الهاتف في وجه عرفات، على ذمّة الصديق رشاد أَبو شاور في مقالةٍ له قبل أيام، فإِن الرجل يكون قد بلغَ مرتبةً ملغزةً في التحكم بالقرار المالي الفلسطيني، ما يُجيزُ الذهاب إِلى الحقيقةِ الأوضح، وهي أَن محمد رشيد مجرد مقطعٍ واحدٍ في ظاهرةِ أو متوالية التسيّب السياسي والمالي والإداري والقيادي في المؤسسة الفلسطينية، ومسؤوليات هذه المؤسسة، واسمها قبل كل شيء هو منظمة التحرير، على ما ينبغي أَن لا ننسى، عديدة، منها إِعالة أُسر الشهداء وإِسعاف الجرحى ونصرة الأَسرى، فضلا عن تمثيل الفلسطينيين في وطنهم المحتل وفي شتات اللجوء الواسع، بل ورعاية ملايين منهم في غير مطرح.

لا نبقُّ بحصةً غير معلومةِ الوجهة، حين نجهرُ ببديهية أَن ياسر عرفات، رحمه الله، على مكانتِه الرمزية الكبرى، وعلى فرادةِ زعامتِه الوطنية المستحقّة، يبقى المسؤول الأَول عن ظاهرة محمد رشيد الذي يستطيبُ الآن طخَّاً كلاميَّاً على الرئيس محمود عباس، في تصريحاته المستجدة، وكأَن المسألةَ في هذا الموضع من المشهد الفلسطيني البائس، وليست في وجوب أَنْ يُشهر رشيد كل التفاصيل عن الملايين التي كان، وربما ما يزال، يُديرها، وعن مآلاتها، وكذا عن ثروته الشخصية، أَمام الرأي العام الفلسطيني، وأَمام المحكمة التي حكمت عليه بالعقوبات المعلنة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور