أَطل فيلم أَصيل منصور “عمو نشأت” في أَول عرضٍ له محلياً في مهرجان الفيلم الفرنسي العربي، الأَحد الماضي، وهذه مناسبةٌ لتشجيع تنظيم عروضٍ تاليةٍ له، ولأفلام أردنية أخرى جيدة، وفي خارج عمان إِذا أمكن، للجودة الفنية في بعضِها، ومنها “عمو نشأت” الذي شوهد، أَول مرة، في مهرجان دبي السينمائي في كانون أَول الماضي. وهو فيلم جارح إلى حدِّ الصدمةِ ربما، ويأْخذُك من الشأنِ الشخصيِّ الذي يخصُّ مخرجه أَصيل ووالدَه صديقنا الكاتب خيري منصور وأُسرته إِلى ما هو فلسطيني عام. ذلك أَنه عن حقيقةٍ ظلت غائبةً عن خيري وعموم عائلتِه وأَهل بلده، 29 عاماً، وهي أَن نشأَت منصور، عم المخرج، لم يستشهد في لبنان صيف 1982 في اعتداءٍ إِسرائيلي أو اشتباك عسكري مع العدو قتل فيه جنوداً غازين، كما توطَّن حقيقةً مؤكدة طوال هذه السنوات، بل قضى برصاص عميلٍ فلسطيني. وما يزيدُ في اتّساع الجرحِ الذي يُورِّطُنا فيه الفيلم أَن الشهيد كان حبيس سجن المحطة، ولمّا صار الغزو الشهير ذلك الصيف، أَراد الالتحاق بالمقاتلين في الثورة الفلسطينية في لبنان، وأَذنت له السلطات الأُردنية بذلك. يزيدُ الجرحَ القاسي في الفيلم الكاشف أَن جدالاً، أَو خلافاً على الأصح، لم يُحسم في العائلة بشأن حصّة الشهيد من إِرث أَرضٍ في دير الغصون (من أَعمال طولكرم).
التطويل والمشاهد الزائدة في الفيلم لم يَخدشا إيقاعه الجاذب، وكان من أَجمل مقاطعِه في تتبع كل خيوط استشهاد نشأت عن 27 عاماً، سيّما في محطتها اللبنانية، أَن تقع عيون مشاهدي الفيلم على اسم الشهيد في دفتر سجلاتٍ قديمٍ في أَرشيف مستشفى قرب بيروت، يوثق تاريخ دخوله المستشفى مصاباً برصاصاتٍ غادرة، مع رفيقٍ له نجا من الموت، وكانا معاً في سيارةٍ استهدفَها العميل. ولعلَّ هذه اللقطة الذروة الدرامية في الفيلم التسجيلي التوثيقي، والذي وازى فيه أَصيل بين مشاهدَ قديمة وجديدة، وأَتقن توظيفَ صور فوتوغرافية وفيديو عتيقة، تيسَّرت له، ويظهر فيها نشأت. وكان عمله المونتاجي حاذقاً في انتقالاتِه من قديمٍ إِلى حاضر، ومن محكيٍّ إِلى انفعالي، ومن عفويٍّ مسترسلٍ إِلى مفكَّرٍ به، ومن عمّان إِلى بيروت إِلى دير الغصون، وبين حديثٍ عابر في نشرةِ أَخبار تلفزيونيةٍ عن ثورةٍ تقوم الآن في تونس وثورةٍ فلسطينيةٍ تائهةٍ في تفاصيل متروكةٍ للنسيان. وثمة، أيضاً، إِطلالاتُ خيري منصور عائداً من القاهرة إِلى منزله في عمّان، وزائراً قبر أَخيه في سحاب برفقةِ نجله، ومشاهدُ أُخرى توالت بكيفيّةٍ دلَّت على حرفيةٍ عاليةٍ لدى أَصيل منصور، وقد باتت خبرتُه أَصيلةً في الإخراج السينمائي، وصارت في أَرشيفها أَفلام لافتة، قصيرة وطويلة.
شائقٌ في الفيلم ذلك التقصّي الدؤوب، والتلقائيُّ والمخطَّط له معاً، عن حقيقةٍ بمروياتٍ عنها مريحةُ، ومزهوُّ بها أَحياناً، قبل أَن تصيرَ قاسيةً بعد ثلاثة عقودٍ، فتستنفر استعادةُ تفاصيلِها انزعاجاً موجعاً، سيما وأَن مُشاهد الفيلم، بعد انتهاء عرضِه، قد لا يستطيع أَنْ يزيحَ عنه الحجرَ الثقيل الذي ترميه قدّامه، أَو عليه ربما. وفي الوسعِ أَنْ يُقال إِن أَبلغ ما في “عمو نشأت” أَنه مقلق، وبديعٌ فيه أَنه لم يكن معنياً بالعميل القاتل، اسمِه وضميرِه، ميتاً أَم حياً، ربما، لأَنَّ الأَجدر هو الانشغالُ بعريِ الحقيقةِ، وانكشافها فلسطينيةً تتعلق بالجسارةِ والعمالةِ معاً، ولأَنها كذلك، شاهدوا “عمو نشأَت”.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور