أَظنُّنا انتهيْنا من المعزوفةِ إِياها عن “ثوار الناتو” في ليبيا، وصار الأَوجبُ على أَصحابها، ومناكفيهم الذين منهم كاتب هذه السطور، أَنْ يلتفتوا، جيّداً وجدّياً، إِلى الجاري في هذا البلد، سيّما وأَنَّ ليبيا تشهد، بعد أسبوعين، انتخاب 200 عضوٍ في “المؤتمر الوطني العام”، والذي سيكون بمثابةِ جمعيةٍ تأسيسيةٍ مكلفةٍ بصياغة دستور للبلاد، لتهيئةِ قوانين انتخابات تشريعية ورئاسية لاحقاً. وللتملي في مسار الليبيين للوصول إلى انتخابات 7 تموز، والتي سيتنافس فيها 2639 مرشحاً مستقلاً وحزبياً، مفيدةٌ قراءَةُ الورقة التوثيقية المهمة، والتي أَنجزتها وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأَبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، والذي يرأسه الدكتور عزمي بشارة، إذ توفِّرُ المعطياتِ اللازمة لتشريحِ البيئاتِ القانونيةِ والسياسيةِ والاجتماعيةِ التي ستنتظم فيها الانتخاباتُ المرتقبة. والخلاصةُ منها أَنَّ نخب الحقل السياسي والإِداري في ليبيا، بعد تحريرِها من معمر القذافي وقُبيله، عكفت على ورشةِ بناءِ نظامٍ سياسيٍّ في بلدِها على أَنقاض عقودٍ معلومةِ التفاصيل عن السخفِ الأبله في إِدارة الدولة، للوصول إِلى شرعيةٍ تمثيليةٍ لسلطات الحكم والتشريع والتسيير، والانتقال إِليها من حال الإعلان الدستوري الراهن، والذي كان المجلسُ الوطنيُّ الانتقالي قد أَنجزه، ليتولّى بموجبِه السلطةَ مؤقتاً.
هو مسارٌ لا توليه الصحافاتُ والفضائياتُ العربية كبير التفاتٍ إِليه، على غير الصدامات والاشتباكات المتعددة، والحادثة هناك بين جهاتٍ وتكتلاتٍ قبلية، وبين تكويناتٍ ميليشاويةٍ وثكناتٍ للجيش، وبين أَطرافٍ متنازعة في غير منطقة في البلد الفسيح، وهذه مدينةُ الكفرة تكادُ مثل هذه المواجهات فيها لا تتوقَّف، وحصيلةُ القتلى والمصابين في الأَثناءِ صارت ثقيلةً وتتجاوز المئات، والبادي أَنَّ سلطة المجلس الوطني الانتقالي، وكذا حكومة عبد الرحيم الكيب، غيرُ مؤثرةٍ في بعض المناطق. وبالتوازي مع هذا الحال، ثمّة التقاريرُ المتواترةُ عن عملياتِ قتلٍ خارجَ القانون، وتعذيب في السجون، وانتهاكاتٍ مريعةٍ، وجرائم خطف، في طرابلس وغيرها، وضحايا هذا كله محسوبون على نظام القذافي ومناهضون له. يتصيَّد أَصحابُنا الواقفون عند هجاءِ “ثوار الناتو” هذه الأَخبار ببعض الغبطة، لأَنها، في عرفِهم، تدلُّ على ما اقترفه “الناتو” في ليبيا من تخريبٍ وتهديمٍ و”فتنة” بين الليبيين. وجهل هؤلاء بالتكوين الاجتماعيِّ والحساباتِ القبليةِ والجهويةِ والمواريث القذافية في ليبيا، فضلاً عن تفاصيل معقدةٍ هناك، يجعلهم يستسهلون الإِقامةَ المديدةَ عند ذمِّ “الناتو” و”عملائِه في مجلس مصطفى عبد الجليل”.
ذلك المسار المتواصل في طريقِ بناءِ نظامِ حكمٍ ديمقراطيٍّ مدنيٍّ وحديثٍ، ما أَمكن، في ليبيا، تخدِشُه هذه التوترات والاحتكاكاتٌ الأمنية العنيفة، والاغتيالاتُ والممارسات الفظة التي تنتهك حقوق الإنسان. وفي وسعِ المرءِ أَن يجتهدَ، هنا، فيرى وجوبَ أَنْ تندفعَ خبراتٌ عربيةٌ، حكوميةٌ وأَهلية، وبالتعاون والتنسيقِ مع جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، باتجاه ليبيا، لتوفيرِ ما يلزمها من إِمكاناتٍ واستشاراتٍ ومساعداتٍ، تُعينها في التخلص، سريعاً ما أَمكن، من معوِّقاتِ التحديثِ الاجتماعي والسياسي الصعبة، مع ما يلزمُ من تقويةٍ عاجلةٍ للمؤسسات الأمنية، وتأهيل كوادِرها على صعيد الثقافةِ الحقوقية الواجبة، وكذا تمتين مؤسساتِ الرقابة والمتابعة. وبوجود خبراتٍ من سويسرا (وغيرِها) والأمم المتحدة التي عيَّنت مبعوثا لها هناك، فإِنَّ غيابَ اندفاعةٍ عربيةٍ في هذه المجالات (وأُخرى غيرها) سيُحدثُ انعكاساتٍ بالغةَ السوءِ لدى أَهل هذا البلد، سيّما وأَنَّ جرحا لديهم من رواجِ أُزعومة أَنَّ “الناتو” يحتل بلدهم، بعد أَنْ حرَّره، بين أَوساطٍ ونخبٍ عربيةٍ مثقفةٍ واسعة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور