حسناً فعلت سلطاتُ دمشق أَنها لم تُعلن أَنَّ تحقيقاً ستُجريه بشأن اغتيال القيادي العسكري في حركة حماس، كمال غناجة، وإِلا جاءَ إِلى خواطرِنا لحسُ كلامٍ غزيرٍ عن لجانِ تحقيقٍ غير قليلة، قيل إِنها تشكَّلت بشأنِ غيرِ جريمةٍ وواقعة. وفي البال أَن القياديَّ الميدانيَّ في حزب الله، عماد مغنية، لم تُعلَن نتيجةٌ لأيِّ تحقيقٍ في واقعةِ اغتياله منذ خمس سنوات، أَما الاعتداءُ على رسام الكاريكاتير، علي فرزات، فإِنَّ أَرطالاً من البلاهة سنكون عليها، لو صدَّقنا أَنَّ تحقيقاً جرى بشأنه، قالت الداخلية السورية إِنها ستقومُ به، ليس لأَنَّ لا نتيجة أَلبتة له، بل، أَيضاً، لأَنَّ ما قاله الشبيحةُ المعتدون ساعةَ إِيذائهم المبرِّح فرزات يُؤشِّر إِليهم. وإِذا سألنا عن نتائجِ التحقيق في مقتل العميد محمد سليمان، أَحد مستشاري بشار الأَسد، برصاصٍ استهدفه قبل نحو ثلاث سنوات وهو في عرض البحر، فسينتسبُ سؤالُنا إِلى الهزل الذي برعَ عبد السلام النابلسي في إِضحكائنا بأَدائِه ممثلا.
ولأنَّها كذلك التحقيقاتُ السورية في الاغتيالات والتصفيات، وكذا في حالتي (انتحار؟) محمود الزعبي وغازي كنعان، يصيرُ جائزاً أَن نزيدَ ونعيدَ في قيلٍ وقال بشأْنها، وهذه واقعةُ قتل كمال غناجة، وهو أُردنيُّ الجنسية بالمناسبة، تُيسِّرُه لنا، وتُسوِّغ سؤالَ “حماس” عن مدعاةِ مسارعتِها إِلى الاشتباه في الموساد، وقد قالت إِنها تُحقِّق في الواقعة. وفي البال أَنها، هي الأُخرى، أَشاعت أَنَّ تحقيقاً خاصاً بها ستقوم به في قتل محمود المبحوح، وكان اختراقٌ جرى، في الحركةِ حوالي الشهيد الكبير، زوَّد الفريق القاتل بمعلوماتٍ مكَّنته من الطيران إِلى دبي في الموعد اللازم، والإقامة في الفندق نفسه. ومع تقدير حساسيةِ تلك المسألة، وكذا المستجدّة بشأن غناجة، لدى “حماس”، وليس إِبعاداً لشبهةِ تورّط أَصابع الموساد في قتل الرجل، يجوزُ طرحُ افتراضٍ آخر، فقد اقتحم أَشخاصٌ منزلَه في قدسيا في دمشق، وقضوا وقتاً فيه، اقترفوا تعذيبَ غناجة بحرقِ يديه، وإِطفاء سجائر على بدنه، قبل قتله. وأَنْ تتمكَّن أَصابعُ للمخابراتِ الإسرائيلية من ارتكاب جريمةٍ كهذه بيسرٍ في دمشق، فذلك مما يعني أَنَّ العاصمة السورية ساحةُ سهلةٌ لمثل هؤلاء، ما يُعطينا، للمرة الألف، دليلاً جديداً على هشاشة الأُزعومةِ عن عين دمشق الساهرة في مواجهةِ المؤامرات الإسرائيلية والصهيوأَميركية.
يُضاعفُ من وجاهةِ فرضيةٍ أُخرى أَنَّ قتل كمال غناجة، جاءَ بعد أَيامٍ من قتل مجهولين (أَيضاً؟) عقيداً وعميداً طبيباً في جيش التحرير الفلسطيني، وفي أَجواءِ استهداف مقرّاتِ فصائل فلسطينية بإِطلاق النار عليها بين حينٍ وآخر. وبعد أَيامٍ من إشهار الإعلام السوريِّ أَنَّ انتحارياً فلسطينياً كان وراءَ تفجير مقرٍّ أَمني، وأَنَّ شقيقَه شارك في تفخيخِ سيارةٍ انفجرت في حي القصاع، وأَن فلسطينياً آخر من مخيم اليرموك فخَّخَ سياراتٍ في دمشق، وقضى في مواجهاتٍ مع إِرهابيين في إِدلب. وليس منسياً أَنَّ أَجهزة الأَمن الحاكمة في دمشق جلبت، في سبتمبر الماضي، إِلى شاشة تلفزيونها، شاباً فلسطينياً، قال إنه يدرسُ في جامعةٍ سوريةٍ، وكان يتجسَّس لإسرائيل، وأَرشدَ قتلة عماد مغنية إلى سيارته مقابل أَلف دولار. وكان لافتاً أَنَّ إِعلام حزب الله تجاهل تلك التمثيلية السمجة. ولن نُفاجأَ بخروجِ يافعٍ فلسطينيٍّ على الشاشة نفسها، يجهرُ بعمالتِه وإِعانته الموساد على قتل كمال غناجة، إِسناداً لاشتباه حماس، ولتُطوى هذه القصة قبل أَنْ تنفتحَ أُخرى.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور