هل ينتهي النقاشُ بشأن سلوكِ الشرطةِ الفلسطينية، القمعيِّ والشديدِ الفظاظةِ مع المتظاهرين والمحتجين في رام الله، يومي السبت والأَحد الماضيين، بإِعلان الرئيس محمود عباس أَسفَه لذلك، وطلبَه من وزارة الداخلية تشكيل لجنة تحقيق؟. ... لا يوقفُ ما بادرَ إِليه عباس في هذا الخصوص، على أهميته وتقديره، سيلَ أَسئلةٍ واجبةٍ تحتاجُ إِلى حسمٍ واضح، ليس فقط بشأنِ هذه الحادثةِ التي لا تزيَّد في وصفِها بأَنها مريعة.

ولعل أَول الأسئلةِ سيتعلق بداهةً بالثقافةِ التي «يتحلى» بها رجلُ الشرطة الفلسطينية، وتجعل من العادي استخدامَه هراواتٍ وعصياً في ضربِ محتجين لم يستخدموا سوى حناجرِهم التي هتفت بتنديدِهم بمسلكٍ للشرطةِ مشابهٍ للذي تعرّضوا له، قبل يوم في مواجهةِ احتجاجٍ على زيارةِ شاؤول موفاز مقرَّ الرئاسة في رام الله، قبل (تأجيلِها؟)، والتي صار مؤكداً أَنَّ ضغط الرأي العام الشعبي الرافض لها نجحَ في (إلغائها؟)، وفي البال أَنَّ النائب العام الفلسطيني قبل، من حيث المبدأ، شكوى شبّانٍ ناشطين طلبت اعتقال موفاز باعتباره «مجرم حرب». ما يمكنُ الوقوعُ عليه في المسألةِ عموماً، هو أَنّه لا صلةَ لتلك الثقافةِ بمفهومِ احترام الإنسان وحريّاته، ما يعني أَنَّ تأهيل الشرطةِ الفلسطينيةِ ليس على النحوِ الذي قاله الرئيس عباس في بيانٍ متقنِ الصياغةِ وجيّدِ المضمون، صدرَ بعد غضبةِ الشارع الفلسطيني الواسعةِ من ذلك السلوك المستنكر والمدان. وهي غضبةٌ سوَّغتها صور مخزية شوهدت في العالم كله، إِحداها لرجلِ شرطةٍ يهمُّ بضربِ امرأةٍ بكيفيةٍ تُماثل، لشديدِ الأسفِ والأسى، اعتداءاتٍ شائعةً من شرطة الاحتلال الإسرائيلي.

كانت جارحةً يافطةٌ احتجاجيةٌ على ما جرى، وقد كُتب عليها «100 رصاصة من الاحتلال ولا هراوة من ابن بلدي»، وكانت وجيهةً الاجتهاداتُ التي رأَت في العمل المشين الذي ارتكبته الشرطةُ الفلسطينية، في يومين متتاليين () تدهوراً سياسياً وانعداماً لأيِّ حساسيةٍ أَخلاقيةٍ لدى هؤلاء، وهم ينتسبون إِلى سلطةٍ تحت الاحتلال. ولا يُزيحُ هذه القناعةَ الواسعةَ سوى أَنْ يُرى متحقِّقاً قولُ رئيس ديوان الرئاسة الفلسطينية، حسين الأَعرج، إِنَّ كل من تورَّط في «الأَحداث المؤسفة» سيُقدَّم للمساءَلة القانونية. وفي هذا الحال المشتهى، إِذا ما صار، لا تُيَسِّر سلطةُ رام الله لغريمتِها سلطة غزة ذريعةً تُشهر فيها استنكارَها الجاري في رام الله، وكأَن أرشيف شرطة حماس في القطاع يُخبرنا أن حضاريّتها تُضاهي شمائلَ شرطة سويسرا. ووصفُ الاثنتين، هنا، بأَنهما غريمتان ما زال جائزاً، طالما أَنَّ المصالحةَ ذات المسلسل المضجرِ لم تتحقَّق. والأَهم أَن المساءَلة القانونيّة المتحدّث عنها، إِنْ تمَّت، ستكون شاهداً على أَنَّ مستجدّاً إيجابياً طرأ لدى المراتب العليا في السلطةِ الوطنيةِ الفلسطينية، وحينَها لا ندري نسبتَه إِلى رذاذ للربيع العربي وصل إِلى المقاطعة في رام الله، أَم إِلى بقايا إِدراكٍ لدى المقيمين في هذا المطرح بأَنَّ الشعبَ الفلسطيني، المثقف بحسبِ تصريحٍ جديدٍ للرئيس عباس، في صمودِه وجسارتِه تحت الاحتلال، يستحقُّ تعاملاً معه على غيرِ الذي دلَّ عليه ذلك السلوكُ البالغُ السخف لرجال شرطةٍ يلزمهم أَنْ يعرفوا أَنهم قدموا فيه خدمةً باهرةً للاحتلال الذي وحدَه من أَجاز وصولَ العصيِّ والهراوات إِلى أَياديهم.

ما جرى في رام الله يُؤشِّر إِلى خرابٍ عميقٍ في الحالة الفلسطينية التعيسة، والتي يتراكمُ فيها كل يوم ما لا يوقِفُ هاويةَ هذه التعاسة. هنا الإجابةُ عن أَسئلة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور