أَنْ يُعيدَ الرئيس المصري، محمد مرسي، مجلس الشعب، على الرغم من إِبطال المحكمة الدستورية العليا انتخابَ ثلث أَعضائه، فذلك يُسوِّغ خشيةً لدينا من أَنَّ فخامته لا يعرفُ أَنها محروقةٌ بصلةُ مواطنيه، وكذا أَشقائهم العرب، إِذ يستعجلون منه انخراطاً في القضايا الاقتصادية والمعيشية والإنمائية والسياسية والأَمنية العويصة، فيجتهد مع فريقٍ رئاسي على كفاءَةٍ ودرايةٍ مكينتين، ومع حكومةٍ قويةٍ شجاعةٍ ومثابرة، في حل مشكلاتٍ لا عدَّ لها، ليصيرَ في وسع مصر تالياً استعادة هيبتِها ومكانتِها ودورِها في غير شأنٍ خارجي. ولمّا كان الرجل منقوصَ الصلاحيات، وتُظلِّله خيمةُ المجلس العسكري الذي يمتلك السلطةَ التشريعيةَ والمفاتيحَ الأولى للقرار التنفيذي، فذلك مما يعني أَنه مُطالبٌ بابتكار صيغٍ خلاقةٍ، تُعجل إِخراج مصر من العثراتِ التي تراكمت في طريق إِنجاز دستورٍ جديدٍ متقدم، يتوافق عليه المصريون، ويُدشِّنون به نهوض بلدِهم في مسار الدولةِ المدنيةِ القويةِ العادلة، وتُعجل، أَيضاً، تداركَ فوضى المرحلة الانتقالية وأَخطائها، وقد طالت هذه أَكثر مما يُحتمل، بالتوجّه إِلى انتخابِ برلمانٍ جديد وفق الدستور العتيد.

أَنْ يبدأ مرسي عهدَه بالاشتباك مع المؤسستين العسكرية والقضائية، كما تبدّى في قرارِه المربك، فذلك يُؤشر إِلى أَن أولوياتِه العاجلة ليست أولويات المواطن المصري الذي أَتعبَه كثيراً مسلسل المنازعات القضائية التي تتبارى الفضائياتُ في استضافةِ فقهاءِ القانون، ليختلفوا في التفسير والاجتهاد والتحليل، فتتشوش الرؤى، وتختلَّ الحسابات، وتفتر الهمم، ويضعف الحماسُ باتجاه المساهمةِ في بناء مصر الجديدة التي قال الرئيس الجديد في خطاباتٍ ثلاثة، وفي أَثناء حملتِه، أَنها ستكون دولة سيادةِ القانون، وهذا طارق البشري يقول إِن مرسي تطاول على القانون وسيادتِه عندما لم يحترم قرار المحكمة الدستورية، والرجلُ خبيرُ القانون الدستوري الأَبرز في مصر، ورئيس لجنة إِعداد الإعلان الدستوري الأول بعد الثورة، والذي صوت له الإخوان المسلمون وأنجحوه، وعارضته قوى الثورة وائتلافاتُها وأَعلامها. وهذه تشكيلاتٌ وفاعلياتٌ وازنةٌ في المؤسسةِ القضائيةِ المصريةِ تُمهل مرسي أَقل من يومين للتراجع عن قرارِه. وثمَّة من مضى بعيداً، وادعى عليه في محكمةٍ، مطالباً بعزله وحبسِه، لأنه في موقعه رئيساً للجمهورية يتجاوز القانون.

ارتجلَ المجلس العسكري، ومعه الحكومة، انتخاباتٍ تشريعيةً وفق قانون لم يتم التثبت من دستوريته، وسنَّ البرلمان المبطل قانونَ العزل السياسي الذي نقضَه القضاءُ لاحقا، وكاد أَنْ يزيحَ أَحمد شفيق عن السباق في انتخابات الرئاسة، وتبين لاحقا أنه من أبرز المرشحين فيها وقاب قوسين من الفوز، وقد خيضت في ظروفٍ غير سليمةٍ تماماً على الصعيد القانوني. ولا يزال وضعٌُ لجنةِ صياغة الدستور ملتبساً، وليست مشروعيةُ تشكيلها مؤكدة. وتُظهر هذه المحطاتُ، مضافةً إِليها مقولة محمد مرسي الجديدة، أَنَّ مسار المصريين في انتقالِهم إِلى جمهوريتهم الثانية غائمٌ، وتمكنت دولةُ حسني مبارك في أَثنائِه، في الشهور الماضية، من التموضع فيه جيداً. وللمراقبِ أَنْ يجتهدَ، ويرى أَنَّ الحضور المركزيَّ للجيش في بنيةِ الدولةِ المصرية ونظامِها العام، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هو ما سبَّب هذا الحال الذي يزدادُ تشوشاً، وما جعل مصر تُغاير في تحولها الديمقراطي المشتهى ما عمدت إليه تونس وليبيا، في انتخابِ مجلسٍ تأْسيسيٍّ يصوغُ دستوراً يُستفتى عليه الشعب لاحقاً. ولا نخدشُ في شرعيةِ رئاسة محمد مرسي، حين نُشهرُ قدّامه نقطة نظام، ونجهرُ بأَننا كنا على حق، على الأَغلب، حين لم نفرح بشخصِه لما ظفرَ بالرئاسة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور