لم تُقنعني اجتهادات ناجي علوش، في مقابلةٍ معه قبل شهور، بشأن ليبيا وسوريا، وتمنَّيتُ، في حينِه، لو ينقطع المثقفُ العروبيُّ الكبير إِلى تدوينِ سيرتِه، لقناعتي بأَهمية تجربته في السياق الكفاحيِّ والسياسيِّ الفلسطيني، ولوجوبِ أن نتعرَّف، نحن الذين لا ننتسبُ إلى زمنِ الإيقاع القومي العالي، وكان أَبو إبراهيم أَحد أَصواته الصادقين، على تلك التجربةِ الثرية، سيما وأَنه من النادرين الذين انخرطوا في العمل النضالي الفلسطيني والعروبي، وزاوجوا بينه وبين ثقافة أَدبيةٍ ونقديةٍ رفيعة. ويكون طيِّباً لو تُفاجئنا أُسرة الراحل، الكبير الذي غيَّبه الموت أَمس، بنشرِ مذكراتٍ أَو سيرةٍ دونها، ويكونُ بديعاً لو تُبادر مؤسسةٌ عربيةٌ معنيةٌ بالفكر، بالتعاون مع أَبنائه، إِلى إِعادة إِصدار كتبِه غير القليلة. ومع التسليم بأن في الأَمر مغامرةً جريئة، لكنها تبقى ضرورية، فمؤلفاتُ ناجي علوش تُضيء على زمن جميل، كان عنوانُه السجال المشحون بنبرةٍ حارَّةٍ في سمتِها الكفاحيِّ ومشاغلها النضالية، وهو سجالٌ رائقٌ، أَياً تكن مقارباتُنا التحليلية له على مبعدةٍ زمنيةٍ منه، وقد كان من أَجل تحرير فلسطين والوحدة العربية ورفعةِ شعوبنا وتحرّر بلداننا من التبعية للأجنبي. وتمثل كتب علوش، منذ أَولها في 1962 (الثورة والجماهير)، مساهمةً نوعيةً في ذلك النقاش الفكري العام.

إِنْ بدأَتُ سطوري هذه بتسجيل عدم اقتناعي بتصوراتِ أُستاذنا الأَخيرة في شأني سوريا وليبيا الجاريين، فذلك لا يخدشُ حرصي، هنا، على تأكيد تقديرٍ كبيرٍ لديَّ تجاه هذا المثقف النبيل، وقد حظيتُ قبل نحو تسعة عشر عاماً بجلسةٍ ليليةٍ طيبة معه، وحدنا في غرفتي في فندقٍ في فاس، في أَثناءِ مؤتمر هناك، طالت أَزيد من ثلاث ساعات، وقعتُ فيها على روحٍ بديعةٍ وذات ظرافةٍ ووداعةٍ في شخصية الراحل. وكان انطباعٌ متسرعٌ جعلني أَفترضُ بعض الخشونة فيه، ربما لتقاسيم وجهه التي تليقُ بزعيمٍ جسور، وأَيضاً لانشغالاته بقضايا كبرى، وهو الذي بقي حتى مماته على نزعته الثورية القومية الماركسية العروبية. أَستعيد، هنا، تلك السهرة، وطواف دردشتنا فيها على ياسر عرفات والحالة الفلسطينية إِياها، وكانت أَسابيع فقط قد مضت على توقيع اتفاق أوسلو، وأَتذكر ناجي علوش باحترامٍ وإِجلال، ولظروفٍ كثيرة لم نتواصل، وإِنْ شربنا، مرّةً، القهوة معاً في الشميساني مع الصديق عمر شبانة. وإِذ لا أَزعمُ معرفةً وثيقةً بالراحل، أَو قرباً منه، فإِني أَجهر، هنا، بإعجابٍ كبيرٍ لدي بمنجزِه الأَدبي والفكري، وهو الشاعر والناقد الذي كتبَ عن بدر شاكر السياب والمتنبي (مثلا)، وبإعجابٍ مؤكدٍ بشجاعتِه وحرصِه على إِعلان مواقفِه ورؤاه، من دون احتسابٍ لغير ما هو مقتنع به.

كان ناجي علوش فلسطينياً انشقاقياً عن المؤسسة الرسمية، بروحٍ منحازةٍ إِلى الثوابت القومية التي ما تهاونَ يوماً بشأنها، وربما كانت بوصلتُه الجذريةُ هذه، وهي ذاتُ وجهةٍ يساريةٍ دائماً، التي أَبعدته عما هو سياسيٌّ في العمل الفلسطيني العام، وإِن انقطعَ إلى المشاكسةِ في السياسةِ في غير موضوعٍ ومسألة. وأَحسبُ أَنَّ ما تركه في غير كتابٍ، في شؤون الثورة الفلسطينية والماركسية والمسألة اليهودية، وفي التجربة الفيتنامية أَيضاً، يُؤشِّر إِلى هجسِه بما هو فوق سياسي، من دون استغراقٍ في التنظير من النوع إياه، بل بإطلالات، ذات إشراقاتٍ مقدَّرةٍ على الأَغلب، على ما يتصل بالتجارب الكفاحيةِ نفسِها، كما عايشها الراحل واختبرها. ... رحم الله ناجي علوش، كان من آخر الرجال المحترمين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور